الجهاد الإعلامي الحديث
الثاني في سلسلة “معالم الجهاد المدني لنصرة لبنان وفلسطين”
ذكرت في المقال الأول أنه بيدنا الآن (كمدنين في أرض الصراع أو بعيداً عنها) الكثير مما نستطيع فعله تجاه قضايانا المشتعلة مثل لبنان وفلسطين. الذي دفعني للإيمان بذلك هو التغير الذي طرأ على وسائل الإعلام في السنين القلائل الماضية. أهم ما أعنيه بهذا التغير هو إنتقال جزء كبير من قدرة صياغة الإعلام وإمكانية النشر إلى أيادي الأفراد بعدما كانت تسيطر عليها وسائل الإعلام الحكومية والشركات الإعلامية ذات الميزانيات الهائلة.
هذه هي أدوار نستطيع القيام بها بإستخدام وسائل الإعلام الشخصي للمساهمة إيجاباً في رفع الظلم عن إخواننا في لبنان وفلسطين و غيرها من المناطق المصابة:
- صناعة الأخبار: هذا دور أفضل من يؤديه هم من يكونون على أرض الصراع. فتزويد العالم بأخبار حديثة وصور معبرة من أرض الصراع هو أسلوب قوي لشد الإنتباه ودعم القضية. وهو يجعل الناس يخففون إعتمادهم على وكالات الأنباء التي قد لا تقدم الخبر بالطريقة المناسبة, أو قد تكون محاولاتها للحياد أقرب إلى تبرير العدوان. أتمنى أن يصعد إخواننا اللبنانيون والفلسطينيون على منصة المبادرة وأن يبدؤا في نقل الأحداث من جانبهم وأن يسمعوا صوتهم للعالم. وكما حدث في العراق قبل سنتين, لا شك أن هناك أصواتاً ستخرج و تستقطب شريحة عريضة من المتابعين والمتعاطفين. أرى أن هذا أحد أهم وسائل التأثير في الرأي العام العالمي الذي رغم أن الكثير منه مقتنع بعدالة القضيتين اللبنانية والفلسطينية, إلا أن زيادة الضغط مهمة لتحويل المشاعر إلى مواقف و أفعال.
- مراقبة وسائل الإعلام: هذا من أقوى الأدوار التي أدتها وسائل الإعلام الشخصي إلى الآن. فقد أثبتت المدونات تحديداً قدرة عالية على التحقق من الأخبار, وإكتشاف التزييف, والإستقصاء عن صحة المعلومات الواردة في تقرير أو آخر. أشهر هذه الحوادث هو دور المدونات في كشف تزييف مستندات عرضت على شبكة CBS التلفزيونية الأمريكية تتحدث عن تاريخ التجنيد العسكري للرئيس الأمريكي بوش. إكتشف أحدهم تزييف هذه المستندات بعد إجراء بعض التحريات ونشر ما توصل إليه. ثار بعدها مجتمع المدونات على هذه القضية ونقل الإهتمام بها إلى وسائل الإعلام التقليدية. زاد الضغط على شبكة CBS وهي تتمسك بإصرار بموقفها وبصحة المستندات. إستمر ذلك لفترة أسبوعين: إصرار CBS على موقفها وتصعيد المخالفين لها. بعد ذلك, تحققت CBS من زيف المستندات, وقدمت إعتذاراً لمتابعيها, وفصلت منتجة إخبارية تدعى (Mary Mapes), وطالبت أحد كبار مديرات الشركة بالإستقالة. إستقالت تلك المديرة على أعقاب هذه الحادثة, كما إستقال معها مجموعة من المنتجين والإداريين في هذه المؤسسة الضخمة.
ليس هناك ما يمنع أن نقوم نحن بهذا الدور, ومراقبة وسائل ووكالات الإعلام العالمية والمحلية. لا بد من التدقيق في ما يقدم في الأخبار إذا بدا مشبوهاً, ثم تمحيصه. مصداقية وسائل الإعلام عند متابعيها شديدة الحساسية لمواضيع الكذب والتزييف. وإكتشاف أي حادثة كهذه كفيلة بهز شركة إعلامية من أعلاها إلى أدناها حتى لو كانت بالغة الضخامة.
يجب هنا ملاحظة الإختلاف بين التحيز والكذب. لا بد من وجود التحيز دائماً, وليس هناك مانع من إنتقاده (بل إن ذلك مهم). ولكني هنا أتكلم عن الكذب والتزييف بالدرجة الأولى, والتحيز بالدرجة الثانية. - التعبير عن الرأي: وهذا بحر شاسع عميق. وهو موضع كامل لوحده. وسائله متعددة ومتنوعة ولكل منها نتائج مختلفة عن الأخرى. ولكن إستخدامها بأشكالها المتنوعة, وإيصال الرسائل إلى الجمهور (بقية البشر في العالم) بشكل متكرر ووسائل مختلفة يزرع التقبل في النفوس إرادياً ولا إرادياً. هذه هي بعض الوسائل الجديدة التي يمكننا إستخدامها لإيصال آرائنا إلى شرائح مهمة لم نكن نستطيع الوصول إليها بسهولة في السابق:
- الكتابة في المنتديات والمدونات: إعتاد بعضنا على هذه الأنماط من الكتابة حتى أن أحدنا قد يظن أن موضوعه لوحده ليس له أهمية. هذا خطأ بشع! التعبير عن النفس هو من أقوى الغرائز الإنسانية, وهو من أنجح الوسائل للنمو الفكري والمشاعري وهو أحد أفضل علاجات صرف الهم والضيق. وهو مفيد حتى للمستمع لإخباره بتجارب الحياة, وتعريفه بالآراء الأخرى في العالم, وطمأنته في بعض الأحيان أن الكثير من الآخرين يوافقونه نفس الرأي و الإحساس.
- المشاركة الفاعلة في الموجة الجديدة من مواقع الأخبار التي يرسلها ويتحكم بها الزوار: ظهرت في السنتين السابقتين مواقع مثل Digg الذي يرسل له الزائر رابطاً إلى موضوع إخباري أو تقني, وعبر تصويت الزوار تصعد أكثر الروابط المرغوبة إلى الصفحة الأولى. شعبية موقع مثل Digg كاسحة لدرجة أن بعض المواقع التي يربط إليها تنهار تحت عدد الزوار الهائل الذين يوجههم Digg إليها. Digg وصل خلال السنة والنصف التي عاش فيها إلى الترتيب 100 من بين كل مواقع الإنترنت من ناحية عدد الزوار. مواقع أخرى مماثلة هي Reddit, Netscape, و CNN Exchange الذي أطلقته CNN قبل أسبوع للركوب على هذه الموجة الإعلامية الشعبية.
- التعليق على مدونات الساسة وقادة الإعلام: مثلاً جون كيري وجون إدواردز مرشحا الرئاسة الأمريكية في الإنتخابات السابقة, أندرسن كوبر مذيع CNN.
- المشاركة في إستطلاعات الرأي و التصويتات في المواقع الإخبارية العالمية: نشرت التايمز تقريراً عن حملة إسرائيلية إعلامية على ما أسموه “التحيز السلبي والهجمة الإعلامية الموالية للعرب” على شبكة الإنترنت. في هذه الحملة, قام حوالي خمس آلاف عضو في “الجمعية العالمية للطلاب اليهود” بتحميل برنامج خاص يخبرهم عند وجود تصويتات متعلقة بإسرائيل لكي يقوموا في المشاركة فيها وتغيير النتيجة والتأثير في إستطلاع الرأي. يتفاخر أحد هؤلاء الطلاب بأنه يقضي الساعات بحثاً عن مثل هذه التصويتات في الإنترنت, ثم يرسلها إلى مجموعات بريدية, لكي تزيد الأصوات التي لصالح إسرائيل 400 صوتاً خلال ربع الساعة. يسعدني أن أبشر هؤلاء أن الحرب إذا تحولت إلى منافسة أعداد شعبية, فإنهم لا أمل لهم في النصر. وأن إمبراطورياتهم الإعلامية الضخمة التي خدرت العالم لعقود ليس لها أهمية في عالم تسيطر عليه وسائل الإعلام الشخصية التي يتحكم بها الأفراد. ولكن الموضوع يحتاج إلى شيء من التنظيم والجهد والوعي , سأفصل أكثر عن هذا في مقال قادم بإذن الله.
أرى أن المدونات وسيلة مثالية لإحداث هذا التغيير. ولا أشك أن مجتمع المدونات العربي والعالمي سيشجع ويرحب بأي مبادرة في هذا الإتجاه.
ليس ضرورياً لمن يصنع الأخبار أن يكون في قلب الحرب. فيمكن نقل أخبار عن أحوال اللاجئين, أو المآسي الإنسانية في البلد المتضرر, أو الإحتياجات الإغاثية في المناطق المجاورة للحرب, أو حال المتضرريين في الخارج, أو حال من لهم أهل و أصدقاء في منطقة الحرب و إتصالاتهم معهم.
بعض هذه العناصر يحتاج إلى إتقان اللغة الإنجليزية وفهم طريقة تفكير الجمهور الغربي. وبعضها يمكن أن يطبق بكلتا اللغتين العربية والإنجليزية. لا شك أننا نحتاج الملمين باللغة الإنجليزية منا أن ينهضوا وأن يبرزوا في هذا الوقت لكي يتولوا الواجهات العالمية. كما نحتاج الملمين بالعربية أن ينشروا الوعي والحكمة في الصفوف الداخلية.
تحديث: موضوع قريب في عدد اليوم من جريدة الرياض. (أعتب على الجريدة أن 10 روابط من الـ15 الموجودة في المقالة خاطئة, ولكن هناك بعض المواقع القيمة بجد)
تحديث 2: لقاء موسوعي مذهل عن نفس الموضوع مع الدكتور أحمد محمد عبدالله
August 11th, 2006 at 8:13 pm
مقال رائـع ويتضح الجهد المبارك الذي بذل .
وشدتني نقطـة مهمــة وهي مراقبة وسائل الأعلام ، وهي عملية جداً مهمـة ويجب أن نقوم بهـا كمدونيــن خصوصاً في مراقبة اعلامنـا المحلي ، فهنـاك كم هائل من الأكاذيب والأخبار المختلقة وأكثرهـا ينصب نحو الدعوة والمصلحين وهيئة الأمر بالمعروف وغيره
ومع ذلك أجد بأن أغلب الأعمال التي ذكرتهـا لايقوم بهـا سوى المجيدين للغة الأنكليزية فأين دور من لا يجيدهـا ؟؟
في انتظار بقية السلسة وجزاك الله خيرا
August 11th, 2006 at 10:42 pm
[...]ذكرت في المقال الأول أنه بيدنا الآن (كمدنين في أرض الصراع أو بعيداً عنها) الكثير مما نستطيع فعله تجاه قضايانا المشتعلة مثل لبنان وفلسطين.[...]
August 12th, 2006 at 10:47 am
al-jazira:
http://www.youtube.com/watch?v=gAUcRA0Z2cs&mode=related&search=Wafa
August 16th, 2006 at 6:51 pm
أعجبني سردك للنقاط بشكل مختصر..مع أن كل نقطة تحتاج كتاب..
نتمنى لو يتنبه الناس لمثل هذه الطرق ولا يستحقرون عمل..
من الخطوات المتميزة تجمع أوكساب…يبشر بالخير
August 19th, 2006 at 1:24 am
كلام رائع وجميل ومهم
الحقيقة أن العناصر التي ذكرتها مهمة جدا في تحقيق الأهداف المرجوة فجزاك الله خيرا
وبودي لو تتضمن الحلقة القادمة عناصر عن تشكيل الرأي قبل المشاركة به
August 21st, 2006 at 10:25 pm
اهلا جهاد
اشكرك بعنف على هذا الطرح .. وعلى هذه الأفكار الممتازة … كان لي تجربة مع مجموعة من الشباب في “الجهاد المدني” ان صح تسميته بهذا الإسم … ايام كنا ندرس في امريكا بداية الإنتفاضة الثانية وبعيد استشهاد محمد الدرة .. ولكن اجهضت هذه التجربة بعد احداث سبتمبر وبعد رجوعي و معظم الشباب إلى الوطن والإنشغال بالعائلة والوظيفة … لعلي اكتب عن هذه التجربة الرائعة في المستقبل القريب ….
اشكرك مرة اخرى على هذا الطرح
September 1st, 2006 at 8:24 am
Assalmualikom,
Masha2 allah, your blog looks very nice, keep it up. Can you please send me you cell number. I am looking to talk with you soon
September 8th, 2006 at 2:53 am
بالغ الأسف لتأخري في الرد. لا أزال مشغولاً مع تنظيم حياتي والتعود على نمطها الجديد.
ماشي صح:
أوافقك الرأي. إعلامنا يحتاج إلى الكثير من الجهد في المراقبة والنقد لرفع مستواه.
وأما هذه الأعمال, فعملها بالعربية أو بالإنجليزية مناسب. وإن كان الجمهور سيختلف وبالتالي أهداف الكتابة ستختلف. ولكن لا شك أن ذلك سيقدم خدمة للمنكوبين ولأنفسنا مهما كانت اللغة المستخدمة.
ابو محمد:
ذكرك لتشكيل الرأيه فيه عبقرية رسمت على وجهي الإبتسامة. سأحاول نشر أفكاري عنه, ولكني أدعوك أنت وغيرك ممن قد تكون له خبرة و تخصص في هذا المجال بالإفادة فيه.
رياضاوي:
أتمنى أن أقرأ أدق التفاصيل عن تجربتكم هذه. ليتك تزفها لنا في القريب العاجل.
SSA:
حصل الإتصال.
بالغ الشكر للجميع