ما أفكر, وما أكتشف في الحياة, وفي الانترنت


أرشيف August, 2006

الجهاد الإعلامي الحديث

Friday, August 11th, 2006

الثاني في سلسلة “معالم الجهاد المدني لنصرة لبنان وفلسطين

ذكرت في المقال الأول أنه بيدنا الآن (كمدنين في أرض الصراع أو بعيداً عنها) الكثير مما نستطيع فعله تجاه قضايانا المشتعلة مثل لبنان وفلسطين. الذي دفعني للإيمان بذلك هو التغير الذي طرأ على وسائل الإعلام في السنين القلائل الماضية. أهم ما أعنيه بهذا التغير هو إنتقال جزء كبير من قدرة صياغة الإعلام وإمكانية النشر إلى أيادي الأفراد بعدما كانت تسيطر عليها وسائل الإعلام الحكومية والشركات الإعلامية ذات الميزانيات الهائلة.

هذه هي أدوار نستطيع القيام بها بإستخدام وسائل الإعلام الشخصي للمساهمة إيجاباً في رفع الظلم عن إخواننا في لبنان وفلسطين و غيرها من المناطق المصابة:

  • صناعة الأخبار: هذا دور أفضل من يؤديه هم من يكونون على أرض الصراع. فتزويد العالم بأخبار حديثة وصور معبرة من أرض الصراع هو أسلوب قوي لشد الإنتباه ودعم القضية. وهو يجعل الناس يخففون إعتمادهم على وكالات الأنباء التي قد لا تقدم الخبر بالطريقة المناسبة, أو قد تكون محاولاتها للحياد أقرب إلى تبرير العدوان. أتمنى أن يصعد إخواننا اللبنانيون والفلسطينيون على منصة المبادرة وأن يبدؤا في نقل الأحداث من جانبهم وأن يسمعوا صوتهم للعالم. وكما حدث في العراق قبل سنتين, لا شك أن هناك أصواتاً ستخرج و تستقطب شريحة عريضة من المتابعين والمتعاطفين. أرى أن هذا أحد أهم وسائل التأثير في الرأي العام العالمي الذي رغم أن الكثير منه مقتنع بعدالة القضيتين اللبنانية والفلسطينية, إلا أن زيادة الضغط مهمة لتحويل المشاعر إلى مواقف و أفعال.
  • أرى أن المدونات وسيلة مثالية لإحداث هذا التغيير. ولا أشك أن مجتمع المدونات العربي والعالمي سيشجع ويرحب بأي مبادرة في هذا الإتجاه.
    ليس ضرورياً لمن يصنع الأخبار أن يكون في قلب الحرب. فيمكن نقل أخبار عن أحوال اللاجئين, أو المآسي الإنسانية في البلد المتضرر, أو الإحتياجات الإغاثية في المناطق المجاورة للحرب, أو حال المتضرريين في الخارج, أو حال من لهم أهل و أصدقاء في منطقة الحرب و إتصالاتهم معهم.

  • مراقبة وسائل الإعلام: هذا من أقوى الأدوار التي أدتها وسائل الإعلام الشخصي إلى الآن. فقد أثبتت المدونات تحديداً قدرة عالية على التحقق من الأخبار, وإكتشاف التزييف, والإستقصاء عن صحة المعلومات الواردة في تقرير أو آخر. أشهر هذه الحوادث هو دور المدونات في كشف تزييف مستندات عرضت على شبكة CBS التلفزيونية الأمريكية تتحدث عن تاريخ التجنيد العسكري للرئيس الأمريكي بوش. إكتشف أحدهم تزييف هذه المستندات بعد إجراء بعض التحريات ونشر ما توصل إليه. ثار بعدها مجتمع المدونات على هذه القضية ونقل الإهتمام بها إلى وسائل الإعلام التقليدية. زاد الضغط على شبكة CBS وهي تتمسك بإصرار بموقفها وبصحة المستندات. إستمر ذلك لفترة أسبوعين: إصرار CBS على موقفها وتصعيد المخالفين لها. بعد ذلك, تحققت CBS من زيف المستندات, وقدمت إعتذاراً لمتابعيها, وفصلت منتجة إخبارية تدعى (Mary Mapes), وطالبت أحد كبار مديرات الشركة بالإستقالة. إستقالت تلك المديرة على أعقاب هذه الحادثة, كما إستقال معها مجموعة من المنتجين والإداريين في هذه المؤسسة الضخمة.
    ليس هناك ما يمنع أن نقوم نحن بهذا الدور, ومراقبة وسائل ووكالات الإعلام العالمية والمحلية. لا بد من التدقيق في ما يقدم في الأخبار إذا بدا مشبوهاً, ثم تمحيصه. مصداقية وسائل الإعلام عند متابعيها شديدة الحساسية لمواضيع الكذب والتزييف. وإكتشاف أي حادثة كهذه كفيلة بهز شركة إعلامية من أعلاها إلى أدناها حتى لو كانت بالغة الضخامة.
    يجب هنا ملاحظة الإختلاف بين التحيز والكذب. لا بد من وجود التحيز دائماً, وليس هناك مانع من إنتقاده (بل إن ذلك مهم). ولكني هنا أتكلم عن الكذب والتزييف بالدرجة الأولى, والتحيز بالدرجة الثانية.
  • التعبير عن الرأي: وهذا بحر شاسع عميق. وهو موضع كامل لوحده. وسائله متعددة ومتنوعة ولكل منها نتائج مختلفة عن الأخرى. ولكن إستخدامها بأشكالها المتنوعة, وإيصال الرسائل إلى الجمهور (بقية البشر في العالم) بشكل متكرر ووسائل مختلفة يزرع التقبل في النفوس إرادياً ولا إرادياً. هذه هي بعض الوسائل الجديدة التي يمكننا إستخدامها لإيصال آرائنا إلى شرائح مهمة لم نكن نستطيع الوصول إليها بسهولة في السابق:
    • الكتابة في المنتديات والمدونات: إعتاد بعضنا على هذه الأنماط من الكتابة حتى أن أحدنا قد يظن أن موضوعه لوحده ليس له أهمية. هذا خطأ بشع! التعبير عن النفس هو من أقوى الغرائز الإنسانية, وهو من أنجح الوسائل للنمو الفكري والمشاعري وهو أحد أفضل علاجات صرف الهم والضيق. وهو مفيد حتى للمستمع لإخباره بتجارب الحياة, وتعريفه بالآراء الأخرى في العالم, وطمأنته في بعض الأحيان أن الكثير من الآخرين يوافقونه نفس الرأي و الإحساس.
    • المشاركة الفاعلة في الموجة الجديدة من مواقع الأخبار التي يرسلها ويتحكم بها الزوار: ظهرت في السنتين السابقتين مواقع مثل Digg الذي يرسل له الزائر رابطاً إلى موضوع إخباري أو تقني, وعبر تصويت الزوار تصعد أكثر الروابط المرغوبة إلى الصفحة الأولى. شعبية موقع مثل Digg كاسحة لدرجة أن بعض المواقع التي يربط إليها تنهار تحت عدد الزوار الهائل الذين يوجههم Digg إليها. Digg وصل خلال السنة والنصف التي عاش فيها إلى الترتيب 100 من بين كل مواقع الإنترنت من ناحية عدد الزوار. مواقع أخرى مماثلة هي Reddit, Netscape, و CNN Exchange الذي أطلقته CNN قبل أسبوع للركوب على هذه الموجة الإعلامية الشعبية.
    • التعليق على مدونات الساسة وقادة الإعلام: مثلاً جون كيري وجون إدواردز مرشحا الرئاسة الأمريكية في الإنتخابات السابقة, أندرسن كوبر مذيع CNN.
    • المشاركة في إستطلاعات الرأي و التصويتات في المواقع الإخبارية العالمية: نشرت التايمز تقريراً عن حملة إسرائيلية إعلامية على ما أسموه “التحيز السلبي والهجمة الإعلامية الموالية للعرب” على شبكة الإنترنت. في هذه الحملة, قام حوالي خمس آلاف عضو في “الجمعية العالمية للطلاب اليهود” بتحميل برنامج خاص يخبرهم عند وجود تصويتات متعلقة بإسرائيل لكي يقوموا في المشاركة فيها وتغيير النتيجة والتأثير في إستطلاع الرأي. يتفاخر أحد هؤلاء الطلاب بأنه يقضي الساعات بحثاً عن مثل هذه التصويتات في الإنترنت, ثم يرسلها إلى مجموعات بريدية, لكي تزيد الأصوات التي لصالح إسرائيل 400 صوتاً خلال ربع الساعة. يسعدني أن أبشر هؤلاء أن الحرب إذا تحولت إلى منافسة أعداد شعبية, فإنهم لا أمل لهم في النصر. وأن إمبراطورياتهم الإعلامية الضخمة التي خدرت العالم لعقود ليس لها أهمية في عالم تسيطر عليه وسائل الإعلام الشخصية التي يتحكم بها الأفراد. ولكن الموضوع يحتاج إلى شيء من التنظيم والجهد والوعي , سأفصل أكثر عن هذا في مقال قادم بإذن الله.

بعض هذه العناصر يحتاج إلى إتقان اللغة الإنجليزية وفهم طريقة تفكير الجمهور الغربي. وبعضها يمكن أن يطبق بكلتا اللغتين العربية والإنجليزية. لا شك أننا نحتاج الملمين باللغة الإنجليزية منا أن ينهضوا وأن يبرزوا في هذا الوقت لكي يتولوا الواجهات العالمية. كما نحتاج الملمين بالعربية أن ينشروا الوعي والحكمة في الصفوف الداخلية.

تحديث: موضوع قريب في عدد اليوم من جريدة الرياض. (أعتب على الجريدة أن 10 روابط من الـ15 الموجودة في المقالة خاطئة, ولكن هناك بعض المواقع القيمة بجد)

تحديث 2: لقاء موسوعي مذهل عن نفس الموضوع مع الدكتور أحمد محمد عبدالله