مر إسبوعين على وصولي إلى الرياض. ولابد في هذين الأسبوعين من السلام على الأهل والأصدقاء. ولكن كون الناس في عناء مع الإختبارات, فلم أستطع رؤية الكل حتى الآن. هذا جزء من الأشغال التي منعتني من التدوين خلال الفترة الماضية. ولكن أظن وضعي أفضل الآن للبدء من جديد. أتمنى أن أجد المزيد من الوقت لإتمام سلسلة الإبتعاث عاجلاً..
كنت قبل مجيئي إلى الرياض لا أبالي كثيراً بمسألة قيادة المرأة, لا أعارض ولا أحض. هي بالنسبة لي مسألة إجتماعية يجب أن يناقشها المجتمع بتفتح و بعيداً عن التعصب, و يزن مصالحها ومفاسدها ثم يبت فيها بقرار. ولا أرى حقيقة أن فتوى هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع هي هذا القرار, لعدة أسباب. أحدها أن الفتوى تتغير مع المكان والزمان, وتغير المعطيات والأحوال. ومعروف تغير مذهب الإمام الشافعي عند إنتقاله من من العراق إلى مصر.
وثانيها أن الموضوع إجتماعي أكثر من كونه شرعي, ولهذا يجب أن يناقش في دوائر أكبر من مجرد دوائر الإفتاء, خاصة و أن الفتوى لم تحرمه لذاته (بمعنى أنهم يرون أن تعامل المرأة مع المقود محرم مثلاً) ولكنها حرمته لما قد يترتب عليه (من تسهيل خروج المرأة مثلاً وما قد تتعرض له من مضايقات من الشباب الطائش). لهذا فالموضوع أكثر قابية للإجتهاد والأخذ والرد. أتذكر الآن المجلس التجهيزي لمعركة أحد, والخلاف الذي حصل فيه بين الإحتماء بالمدينة وأسوارها أو الخروج والتصدي لجيش الثلاث آلاف بجيش من ألف مقاتل. و كأني أرى الرسول عليه الصلاة والسلام يرخي صوته وهو يشرح لعمه حمزة رضي الله عنه الأسباب التي تدعوه إلى الإعتقاد بأن الإحتماء بالمدينة هو أفضل الوسائل لخوض هذه المعركة. وكأني أرى حمزة ومن معه من الذين أغمهم عدم مشاركتهم في بدر يتمسكون برأيهم بالخروج للمواجهة المباشرة..
وفي النهاية يعمل برأيهم عليه الصلاة والسلام..
مثل هذه المواقف في حياة المصطفى كثير. وتجعلني أستغرب عن طبيعة الرأي الأوحد عندنا. عن إعتقاد أن الإختلاف في الرأي هو عدم إحترام للآخر. عن الشعور بالتردد والخوف إذا تقدم شخص آخر برأي مخالف (هذا لدي, وأصارعه من فترة). لم تعودنا مجتمعاتنا حقيقة على تفهم الإختلاف أو تقديره رغم أنه مغروس في الثقافة الإسلامية إلى النخاع.
أذكر الآن عدم فهمي لأشياء كثيرة عند بداية إندماجي بالمجتمع الإسلامي في أمريكا. و إختلافي مع كثير منها لأنها غير الإسلام الذي تعودت عليه في الرياض. ومع مضي الوقت, وبعد الكثير من النقاشات مع الدعاة الخيرين و طلاب العلم الذين لديهم الحكمة لفهم الوضع, إستطعت أن أرسم تصوراً أفضل للحالة.
تعلمت أن الكثير مما نطلق عليه “دين” في أوطاننا هو مجرد عادات وتقاليد, ليست من الدين في الشيء. وفي بعض الحالات تكون مخالفة للدين حتى.
تعلمت أن هناك بعد واقعي لخلاف العلماء, كنت أسمع به في السابق ولكنه كان فكرة نظرية فقط. من الصعب أن تفهم فكرة ألمعية مثل فكرة إختلاف العلماء و إختلاف الأقوال الفقهية إلا بالممارسة ومخالطة أتباع مذهب آخر. لم أرى في الرياض من يجهر بالبسملة, أو يسدل يديه أثناء الوقوف في الصلاة (من أهل السنة) وكنت أظن أن كل امرأة كشفت وجهها هي سافرة عاصية لربها, لم أتوقف يوماً لأدرك أنها قد تكون تتبع مذهب جمهور العلماء في هذه القضية.
إستطردت كثيراً. عذراً, لم يكن هذا هدفي. هدفي هو القول أني لم أعارض قيادة المرأة في السابق. أما الآن, وبعد إسبوعين من القيادة في شوارع الرياض, أقترح, أن يتم منع القيادة نهائياً للجميع. و إعادة تأهيل وإختبار الجميع, ووضع عقوبات على مخالفات السير تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد….!
الحقيقة أن القيادة في شوارعنا هي مما يبعث الرعب. رأيت في إسبوعين من الأخطاء الخطيرة ما لم أره في عشر أشهر سبقوا. الناس دايم مستعجلين ومعصبين..!
هذي بعض المخالفات والعقوبات الي اوصي بها:
- من يصل عند إشارة مزدحمة, ويمشي على يمين الشارع كأنه بيلف يمين, ولكنه في الواقع إذا وصل التقاطع يلف يسار, ويخلي سيارته عرضيه أمام الناس. يعني العالم قاعده تنتظر بإحترام, وتجي أنت يا جنط مسوي ذكي و تصف قدامهم و تعطلهم إذا بغوا يمشون.
العقوبة:كف واحد لكل سيارة كانت تنتظر بإحترام عند الإشارة
- من يمشي على أقصى اليسار على طريق مزدحم, ويقرر قبل ثلاثة أمتار من أحد المخارج (التي تأتي على اليمين) أنه يريد الخروج من هذا المخرج. بعد هذا القرار الحاسم, يدق إشارة و يبدأ يضرب بواري للعالم ويدخل سيارته بين سياراتهم على المسارات الأربع في تجاهل سافر لموروث الأمة الأخلاقي.
العقوبة:أبركت (uppercut بقس محموم يأتي من أسفل الذقن, كما في الصورة)
- من يرى الإشارة تصفر على بعد نصف كيلومتر, ويفجر أم البنزين على أساس إنه بيمديه يوصل للإشارة قبل ما تحمر. و لكن الإشارة تحمر بعد بضع ثواني كطبيعة الحال, إلا أن بطلنا هذا رجال و ماتنكسر كلمته. وما عاشت إشارة توقف أبو عرب, ومالها داعي يسحب فرامل خرافي , ويتفشل قدام العالم.. فالحل الأنسب إنه يستمر في زيادة السرعة (مع أنه ناهز ال120 حالياً) ويقامر بحياته و حياة إلي بيمرون قدامه.. وليش لا؟ الدنيا فانية..
العقوبة:الإعدام إذا وقع حادث, المؤبد إذا مرت بسلام
لاحول ولا قوة إلا بالله..
لكن الحمد لله, إستبشرت والله بحملة المرور الحالية للتوعية (يكفي) والعقوبات الشديدة للمخالفات القاتلة مثل السرعة وقطع الإشارات. أتمنى أنها تطبق بصرامة ويكون لها أثر ولو في بعض الناس.
ولكن أثر حملات مثل كذا محدود إن لم يتم التفاعل من الناس. الحملة ما تقدر تقنع إلا عدد محدود من الناس, وتصير المسؤولية بعدين مسؤولية الناس هذولي إنهم يوعون الناس إللي حولهم. ما أقول أنه يجب عليك أن توزع نشرات مرورية لأصدقائك و أهلك, أبداً موب هذا قصدي, لأن هالأسلوب قليل ما يكون نافع. أقصد إذا مرة جالسين في القهوة أنت و أخوياك وجاء واحد منهم وقام يتفاخر إنه قد مرة جاب طبلون الماكسيما, قل له “بشر أمك, بالله عليك فرحان؟ هذي شطارة أنت ووجهك؟”.
أو إذا كنت راكب مع واحد وقام يساقط على الناس بشكل جنوني تقول له “إهجد بالله عليك, وين حنا, أيام المتوسطه!؟”. لإنه إذا قام يسوي هالحركات وأنت معه ولا قلت شي بيحس إنه أثبت لك إنه طارة (فنان في السواقة), و إنه أعجيتك سواقته.. و ترا إذا المرة الجاية زحفت به السيارة وقش له بنية في خامس إبتدائي راجعه من المدرسه وحولها إلى لحم مفروم بالعظام المكسره, بيكون لك نصيب في المسؤولية, حتى ولو ما صار إسمك مكتوب في تقرير المرور..
شفنا في قضية الدنمارك كيف أجاد المجتمع السعودي (والعربي والإسلامي عموماً) مسألة النشاط المدني رغم الخبرة الضئيله له في هذا المجال. وتم في البداية مرحلة توعيه شعبية عامة في الملتقيات والمنتديات ورسائل الجوال. وتبعها ردود أفعال عملية وعقلانيه واعية, إستطاعت إيجاد رد فعل عالمي والحصول على تغطية إعلامية عالمية. هذا يدلنا على إن الوسائل الموجودة عندنا لنشر التوعية بشكل شعبي وبطرقنا الخاصة. هذا هو الشاهد, و على العموم موضوع الدنمارك لي معه وقفة أخرى مطولة في المستقبل بإذن الله.
الله المستعان.. و من جد, يكفي إصابات..