إرهاصات جهاد

ما أفكر, وما أكتشف في الحياة, وفي الانترنت


قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة

August 12th, 2011

« سلسلة التطور والإسلام

ليس من العدل أن يناقش أحد موضوع التطور، والإسلام، وموضوع الفصائل المشابهة للبشر دون إفراد جزء من الكلام لكتاب “أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة” للدكتور عبدالصبور شاهين، الداعية والمفكر الإسلامي.

عبدالصبور شاهين

لن ألخص الكتاب، فصفحته في ويكيبيديا تفعل ذلك. والكتاب موجود على الشبكة (ملف ورد ، بي دي اف – شكراُ سعود العمر) وهو ليس طويلاً جداً.

الكتاب له فكرة أساسية عن علاقة البشر بالفصائل التي تشبههم، وفيه عدد من النقاط الأخرى حول الموضوع. الكتاب قيم جداً لأنه يعاود زيارة قصة الخلق البشري وينقيها من الكثير مما قد يكون قد لوثها من مصادر غير موثوقة. هذا الجزء من مقدمة الكتاب يوضح هذا المعنى:

قصة الخلق – كما أوردها القرآن الكريم – مليئة بالكثير من الأسرار الخفية ، والمعاني الظاهرة ، وقد تناولها المفسرون والمنصفون من زاوية أو أخرى ، وتشابهت محاولات القدماء ، حين أخذ بعضهم عن بعض ، وحين جاء العصر الحديث بمعطياته الكثيرة في مجالات علم الأرض ( الجيولوجيا ) وعلم الإنسان ( الأنتروبولوجيا ) وعلوم الحياة ، والأحياء ( البيولوجيا ) وغيرها – تغيرت مفاهيم كثيرة ، وصار لزاماً على من يتصدى لكتابة شيء عن هذه القصة أن يأخذ في إعتباره ماكشف عنه العلم الحديث من حقائق نسبية ، وما قال به من نظريات ، حتى لايبدو متخلفاً عن موكب المعرفة المعاصرة ، وذلك على الرغم من أن الذين حاولوا الكتابة في هذه القصة حديثاً تعاملوا معها من منطلق المسلمات القديمة ، أو بمنطق اللا مساس والتوفيق والحذر .

إن هذه القصة كما وردت في القرآن الكريم تحتمل الكثير من التأويلات ، وهي حافلة بالإيماءات والإشارات ذات الدلالة التاريخية والزمنية ، ونحن هنا نستخدم المصطلح ( التاريخ ) بالمفهوم العام ، الذي يشمل كل ما مضى من الزمان ، محدداً كان أو غير محدد ، أي : التاريخ وما قبل التاريخ ، منذ كان الزمان بأمر الله التكويني ( كن ) فكان … ولا معقب ..

إن نظرة القدماء إلى القصة قد تأثرت بالتصور الإسرائيلي لها ، وهو الوارد في سفر التكوين ، [...] [التي] هي ذات طابع أسطوري غالباً ، ولا دليل على خطئها أو صوابها ، سواء في الأسماء أو في الأرقام ، وإن كانت إلى الإحالة وعدم التصديق أقرب .

ولكن الملاحظ أن أصحاب السير قد إعتبروها من المسلمات ، فكرروها دون أدنى مناقشة ، أو حتى توقف.

بغض النظر عن اتفاقنا واختلافنا مع محتويات الكتاب وفكرته الأساسية أو غيرها، إلا أن هناك بعض الشواهد المهمة في سياق هذا الموضوع. والكاتب حصر كل الآيات التي تتحدث عن خلق البشر ودرسها ودرس علاقتها ببعض، ووضع ذلك في ترتيب تاريخ نزولها.

الكتاب أطول مما نستطيع أن نورد هنا، لذلك سأكتفي بإيراد بعض النتائج التي يتحدث عنها دون الكلام عن الأدلة التي قادته إليها، ذلك يمكن أن يرجع له في الكتاب. إذا كنت مهتماً بهذا الموضوع، فأرجوا أن تقرأ الكتاب (لو فقط من باب العلم بالشيء، ليس على سبيل الإيمان بما فيه)، لأن تلخيصي لما سأذكر من أفكاره هنا سيكون قاصراً.

الإنسان يخرج من البشر
جمع الدكتور عبدالصبور كل آيات خلق الإنسان، وأوردها في الكتاب. ثم مشى على شرحها والتعليق عليها حسب ترتيب نزولها ليبنى شيئاً فشيئاً الصورة الكبيرة لخلق الإنسان. ركز الدكتور على الفرق بين الآيات التي تستخدم كلمة “بشر” والآيات التي تحمل كلمة “إنسان”. فوجد أن الآيات التي تحمل كلمة “بشر” تشير إلى الخلق الأول من الطين، بينما التي تشير للـ “إنسان” تشير إلى التكليف، والخلق من نطفة، وغير ذلك، وبعض الآيات ترجع الإنسان إلى أصله، أي البشر.

فهنا يرسم الدكتور عبدالصبور صورة وهي أن الله تعالى خلق البشر وهي كائنات خلقها من طين، تمشي منتصبه على قدمين وليس لها أصل سابق في الأرض (الدكتور عبدالصبور يرفض التطور العام). وأن الإنسان تطور عن هذه الكائنات المشابهة له. وأن البشر هي مرحلة في خلق وتصوير الإنسان.

بغض النظر عن كون هذه الفكرة وهذا الإستنتاج صحيحاً أم لا، إلا أنها مهمة جداً. فهي صورة جديدة لخلق البشر في الفكر الإسلامي تأخذ في الحسبان الفصائل المشابهة للبشر. كما أنها لا تفترض أن آدم خلق لحظياً من العدم، بل عبر إجراء طويل على الأرض أخذ ملايين السنين.

عبدالصبور شاهين

إني جاعل في الأرض خليفة
كيف نستطيع فهم قصة خلق الإنسان في القرآن مع هذا التصور الجديد؟ هذا يوضحه المؤلف:

بدأت علاقة الإنسان بالملائكة على مشارف المرحلة البشرية ، وذلك حين أعلم الله الملائكة أنه خلق أو أنه يريد خلق ( بشر من طين ) ، وإعداداً لهم في مواجهة ما سوف يحدث من متغيرات على ساحة الأرض ، وقد إختارها الله لإيجاد هذه الخليقة البشرية ، بعد أن جعلها مهداً ، وكان البلاغ الإلهي منطوياً على جملة من العناصر المستقبلية إضافة إلى ما كان منجزاً منه .. كان ( خلق البشر ) قد أنجز ، أو هو بسبيله إلى الإنجاز ، وهو دلالة الجملة الأولى : {{ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا }} ، ثم جاءت الأمور المستقبلية في شكل هذا الأسلوب الشرطي : {{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }} ، وكأن الله يريد من الملائكة أن تراقب ما يحدث من تغييرات في أحوال هذا المخلوق الظاهر وصفاته ومقوماته ، حتى يسجدوا له كما أمرهم ، إذعاناً لأمره ، وإعظاماً لروعة إبداعه ، ومضت ملايين السنين ، وطحنت عشرات الألوف من الأجيال ، وربما مئاتها في عملية التسوية والتزويد بالملكات العليا والملائكة تراقب أحوال ذلكم المخلوق وتحركاته ، حتى آن أوان السجود .

كان المدخل إلى معرفتهم بأن السجود قد آن أوانه خطاب الله سبحانه لهم بقوله : {{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً … 30 }} – البقرة . ، وهو خطاب يتضمن إخبارهم بأن التسوية قد تمت ، وقد صار البشر مزوداً بالنفخة من روح الله ، وكان لهذا القول وقع المفاجئة على أسماعهم ، فهم يتابعون منذ ملايين السنين أحوال هذا المخلوق ( البشر ) ، ويعاينون من شئونه ما يحيرهم ، ولذلك بادروا إلى سؤال المولى عز وجل : {{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ … 30 }} – البقرة . ، وكأنهم يقولون لربهم : أهذا هو المخلوق الذي أمرتنا بالسجود له ، حين أخبرتنا بخبره منذ ملايين السنين ؟ لقد راقبنا أحواله منذ ذلك العهد السحيق ، فما رأينا منه غير الإفساد في الأرض ، وسفك الدماء ، وهم يشيرون بذلك إلى السلوكيات الحيوانية التي كان عليها البشر في مختلف مراحل تسويتهم ، حتى إكتمال ملكاتهم بالنفخة الإلهية وثمراتها .

فالقصة التي نفترض (دون أي أدلة) أنها تمت خلال دقائق يبين الدكتور عبدالصبور أن الأقرب أن أحداثها يفصل بينها ملايين السنين. ذلك هو الزمن الذي اقتضته التسوية، والتصوير، ونفخ الروح.

كما يشير هذا التصور إلى أن آدم عليه السلام هو فرد من فصيلة، له أبوين ومتصل بما قبله من الحياة المشابهة له. ولكنه تميز بميزات عرفها الخالق عز وجل ولم تبد ظاهرة للملائكة، فاصطفاه على معاصريه – إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. وخصه بالرسالة وعلمه الأسماء كلها.

بعد ذلك يبدأ الدكتور عبدالصبور في سرد قصة الخلق بتفاصيلها حسب هذا المفهوم.

إبليس والسجود
نقطة غير متصلة بموضوعنا كثيراً، ولكنها من أكثر ما أثار اهتمامي في سرد المؤلف. ذلك هو بعض تأملاته في موقف إبليس.

ويظهر إبليس في مشهد التكليف بالسجود فجأة ، ودون مقدمات ، فلم يرد له ذكر قبل هذا المشهد ، وما كان سوى واحد من ( الجن المنتشرين ) في أرجاء الأرض ، ولعله كان ذا حظوة واقتراب من عالم الملائكة حتى جاء أمر السجود ، وكأنه مقصود به معهم ، والقرآن ينص على ذلك في قوله تعالى : {{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ … 50 }} – الكهف .
[...]
ونحسب أن الأمر لم يكن بالصورة التي يتخيلها العامة من المفسرين ، من مثول الملائكة ومعهم إبليس بين يدي الله ، جل وعلا ، وآدم واقف ينتظر حدوث السجود ، فقد استقر رأينا على أن السجود كان لآدم النبي الذي أختير خليفة ، والذي استهل به عهد الإنسان ، لا لآدم المخلوق ، فإن حدث الخلق كان قد مضت عليه ملايين السنين ، وإن لم يكن فرق بين السـَّنـَةِ والســِّنــةِ ، وعليه ، فإن تكليف الله سبحانه للملائكة بالسجود كان يعني تكليفهم بالأشغال بحفظ ذلك الخليفة النبي ، وذريته إلى يوم القيامة وقد رفض إبليس أن يخضع للأمر الإلهي ، وأن يعمل في خدمة الإنسان كالملائكة ، وبذلك انشق على الأمر الإلهي ، وصار عدواً لآدم وذريته ، كما صار عدواً لله خالقه ، وقد استعلن بهذه العداوة ، فلم يرجع عنها رغم زعمه أنه عبد الله !!

[...]

ولنعد الآن إلى النص الأول من التنزيل ، الذي ذكر هذا المشهد في سورة ( ص ) : {{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ 71 فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ 72 فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 73 إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ 74 قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ 75 قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ 76 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ 77 وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ 78 قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 79 قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ 80 إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ 81 قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82 إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 83 قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ 84 لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ 85 }} – ص .

[...]

ويبدو لنا هذا النص أشبه بتلخيص للحوار ، أو بالأحرى للقصة التي جاءت تفاصيل كثيرة منها في السورة التالية نزولاً ، سورة ( الأعراف ) ، لكن حسبنا الآن هذا الموجز الذي يقتصر على جانب الحوار بين الله وبين المتمرد إبليس .

وفي بداية النظر في مكونات الحوار نؤكد هنا على ضرورة مراعاة المسافة بين ما ينبغي لله من جلال وعظمة وعلو شأن ، وهو سبحانه الخالق الباريء المصور ، وبين إبليس من حيث هو مخلوق يواجه خالقه ، وهو لا يذيد في قدره عن أي مخلوق متمرد على أوامر الخالق ، مُصِرٍّ على معصيته ، سواء أكان من الإنس أم من الجن .. هذا من ناحية ..
ومن ناحية أخرى يجب أن نستبعد الصورة الساذجة التي يتخيلها بعض من تناولوا هذه القصة .. أعني : صورة المواجهة المباشرة في هذا الحوار ، فلا ريب أن الشيطان كان في موقعه من الكون ، لا يستطيع أن يتجاوز قدره ، فيتطاول إلى المقام الأسنى ، مقام رب العزة ، ليجابهه بتلك المقولات ، فالله أعلى وأجل من أن تدركه الأبصار ، أو تحده الأوهام والظنون . وغاية ما نتصوره أن يكون الحوار قد جرى من خلال الوحي النفسي ، الذي أحاط بتفاصيله من يعلم السر وأخفى ، فهو – والله أعلم – حوار جرى في نفس إبليس ، حين رفض الأمر بالسجود ، من منطلق اعتقاده بأنه خير من آدم من حيث الأصل ، فهو من نار ، وآدم من طين ، وذلك رداً على ما ثار في نفسه من أن إباءه السجود لا تفسير له إلا الكبر والغطرسة ، وحينئذ جاءه الأمر الإلهي – أيضاً – من طريق الوحي النفسي : {{ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ }} .. وهكذا سار الحوار إلى نهايته ، بكل ما تضمن من حقائق وأقدار عبرت عنها كل رسالات الأنبياء ، من لدن آدم إلى محمد ، عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم السلام .

عقلانية منعشة نتعطش إليها. عموماً، عودة إلى محور حديثنا.

أبي آدم والتطور
لماذا نتكلم عن الكتاب في سياق التطور بينما المؤلف لا يؤمن بالتطور العام (بينما يؤمن بتطور آدم عليه السلام من فصيلة سابقة إصطفاءُ الهيا)؟

الشاهد هنا هو أنه بعد تنقية قصة الخلق القرآنية من الإسرائيليات وما يعلق بها من الإفتراضات البشرية، فإنه يمكن تصور قصة الخلق وهي تمتد ملايين السنين وتأخذ في الحسبان ما قدمته العلوم البشرية لنا إلى الآن. ذلك كان هو هدف الدكتور عبدالصبور شاهين، وتلك هي القيمة الرائعة التي قدمها للفكر الإسلامي وتلقى بسببها الكثير من الأذى رحمه الله.

وهدفي هنا هو ذات هدف الدكتور، وهو الوصول إلى توفيق للنصوص الصحيحة والعلوم الصحيحة ، وهي ضرورة لكل من يؤمن أن الإسلام دين عقلاني منطقي أنزله خالق الكون. فكما ورد في السلسلة من قبل، نقاط التعارض الظاهري بين التطور وبين الإسلام هي قصة خلق البشر، فقط، وخلق البشر من تراب. تصور الدكتور عبدالصبور يقربنا شيئاً فشيئاً من هذا التوفيق.

لكن دعني أطلب منك أن تتخيل أن كل الحياة الأرضية مخلوقة من تراب. أي أن كل الحياة على الأرض بكل فصائلها وأنواعها نشأت من أصل واحد خلق من تراب الأرض، وأنها تطورت عن بعضها، بما فيها البشر. وأن آدم عليه السلام متصل مباشرة بما قبله من الحياة، كما تشهد بذلك كل خلايا جسمه، والحمض النووي الذي فيها، وذريته من بعده. ماذا الآن؟

هل هناك في النصوص ما يمنع أن تكون شجرة الحياة كلها خلقت من تراب وماء ومادة ومركبات الأرض الغير حية؟

ليس ذلك فحسب، بل إذا تأملت في القرآن وعرضت عليه هذا المفهوم، فإنك ستجد دلالات تشير إلى هذا المفهوم ولايمكن فهمها بأي طريقة أخرى، كقوله تعالى “منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى”. فأصلنا وأصل خلقنا متصل إلى الأرض دون أدنى شك. بل إن طريقة الخلق هذه هي مما يحتج الله تعالى به على من يكابر من الناس “مالكم لاترجون لله وقارا‏ وقد خلقكم أطوارا‏”.

تاريخ هذه الحياة يسرده بإختصار الدكتور خالص جلبي:

وإذا كان عمر الكتابة خمسة آلاف سنة، وبدايات تاريخ الانسان غير المكتوبة بدأت منذ حوالي (3.5) ثلاثة ونصف مليون سنة فكم يا ترى عمر الحياة وكيف بدأت؟ يعكف علماء الحياة اليوم على تقصي التاريخ الطبيعي، فإذا كان للإنسان تاريخ (إنساني) فإن للطبيعة تاريخها الخاص، والمعلومات الأولى التي شق العلم الطريق إليها أن بدايات الحياة تمتد إلى حوالي 3.8 مليار سنة، ولعلها بدأت بالخلايا الوحيدة التي لا تحتاج الأكسجين، ثم قفزت الحياة إلى مرحلة الخلايا الوحيدة التي تستخدم الأكسجين، قبل أن تظهر عديدات الخلايا التي تنتهي عندنا، حيث يمثل الانسان قمة الخليقة، ويمثل الدماغ البشري قمة القمة لتجلي الخلق العجيب، وأما عمر أمنا الأرض فيصل إلى حوالي 4.6 مليار سنة، وإذا قارنا بين بدء الحياة قبل 3.8 مليار سنة وعمر الانسان وهو يدب على الأرض بـ 3.5 مليون سنة، وإذا عرفنا أن المليار هو ألف مليون، كان معنى هذا أن كتاب تاريخ الخلق يتشكل من مجلد ضخم يبلغ ألف صفحة، تنفرد فيه الصفحة الأخيرة برواية الخلق الانساني، كما أن الملايين الثلاثة والنصف من السنوات هي تلك الفترة غير المذكورة من الحياة الإنسانية غير المكتوبة، لأنه لا ذكر بدون كتابة، والكتابة لم تتشكل إلا منذ فترة قصيرة هي خمسة آلاف سنة فقط، أو على حد تعبير القرآن

كما أورد هنا كلام الدكتور خالص الذي اقتبسته في تدوينة سابقة:

“عندما كتب المؤرخون عن تاريخ الإنسان على الأرض كانت الرؤية التقليدية أنه هبط من جنة عدن إلى أرض الشقاء. وكلمة (اهبطوا) أوحت إلى البعض أنه (أنزل) من كوكب آخر. وأنه عجن دفعة واحدة. وأن لا علاقة له ببقية الكائنات.[...] وما يقوله العلم ان آدم عاش في أفريقيا وأنه لم يكن شكلاً واحداً بل زاد عن عشرة أشكال. وأنه كان من طين لازب من الأرض. وأنه وبقية الكائنات تتصل بشجرة الخليقة فلم يهبط آدم من السماء بل نبت من الأرض والله أنبتكم نباتا.[...] وكان (ابن خلدون) و(ابن مسكويه) من أوائل من أشار إلى اتصال كل أفق من المخلوقات بالأفق الذي بعده كما بين الحلزون والنخيل وأن هناك نوعا من التحول (العجيب) من آخر أفق من الكائنات إلى أول الأفق الذي بعده. ومع أن (تشارلز دارون) طرح منذ عام 1859 كتابه عن (أصل المخلوقات) فنحن ما زلنا في الشرق لا نتحدث في هذا الموضوع خوفا من العوام. كما حصل عام 1854م في زمن الشريف (عبد المطلب) في مكة حينما جاءه أمر من الوالي العثماني بأن السلطان تحت ضغط بريطانيا يريد إنهاء بيع الرقيق في الأسواق. (فلما استدعى الوالي دلالي الأرقاء وأبلغهم بالخبر هاج الناس وتنادوا بالجهاد.. وأنه مخالف للشرع واشتبكوا مع الحامية التركية ووقع العديد من القتلى) على ما ذكره الوردي في موسوعته عن تاريخ العراق الحديث.”

الآن أعتقد أنه أصبحت لدينا نواة لمفهوم لتطور البشر متوافق بشكل عام مع قصة خلق البشر في القرآن. هذه النواة تواجه عدداً من التحديات التي سنتطرق لبعضها في الموضوع القادم بإذن الله، لكن نستطيع إعتبارها بداية ومكان نستطيع بداية النقاش منه. الله الموفق والمستعان.

آدم عليه السلام

August 7th, 2011

« سلسلة التطور والإسلام

مضت عدة أشهر على التدوينة السابقة في السلسلة. أعتذر لكل من تابع السلسلة وكل من حثني على اكمالها والتعجيل بذلك. الحقيقة أن لدي على الأقل ثلاث مسودات كتبتها كمواضيع تالية في السلسلة ولكني لم استطع إكمالها إلى الان. أضف إلى ذلك مشاغل الحياة وغير ذلك، وايضاً إستمراري في البحث في نفس الموضوع.

كنت أنوي أن تكون التدوينة القادمة في السلسلة هي عن أدلة التطور. واخترت لذلك أن أترجم وألخص أهم النقاط من كتاب “لماذا التطور حقيقة”. لم يتيسر ذلك، للأسف. لكن من حسن الحظ أن صديقي معين بن جنيد قد قام بكتابة تلخيص للكتاب باللغة العربية. وتلخيصه وترجمته أفضل مما كانت ستظهر عليه نسختي، فله جزيل الشكر. واعتبروا ان تدوينته هي من المصادر الخارجية الهامة المتعلقة بهذه السلسلة.

عندما قررت البحث في الموضوع بشكل أكبر، لم أكن متأكداً ماهو أفضل مكان للبدء. كانت عندي بعض التصورات من قراءاتي العلمية السابقة. الموضوعان الذان كنت متأكداً أنهما في غاية الأهمية للبحث هما الأحافير التي تدل على أصل البشر، والعلاقة الجينية بين الكائنات الحية.

الأحافير
كتاب “تاريخ مختصر لكل شيء تقريباً” الذي ذكرت في بداية السلسلة جذب إهتمامي لموضوع الأحافير القديمة للبشر. هو موضوع للأسف يبدو أن مدارسنا تجاهلته ولم تدرسه في مناهج العلوم، لذلك كان جديداً علي في ذلك الكتاب.

lucy

الأحافير تدلنا على وجود عدد من الفصائل البشرية او المشابهة للبشر (تعريف “بشر” غير واضح تماماً، لكن فلنفترض التعريف الشرعي وهو أنهم سلالة آدم عليه السلام). من هذه الفصائل فصيلة النياندرثال التي انقرضت قبل حوالي 35 الف سنة، ومنها هومو اريكتوس، وقبلها هومو هابيليس وغيرها.

وجود هذه الفصائل يضع الشخص أمام أحد من امرين، إما أن هذه الفصائل كلها هي من أبناء آدم عليه السلام، أو أنه كانت هناك فصائل قريبة جداً للبشر قبل آدم عليه السلام.

النظر إلى الفصائل الأقدم يمنعنا من قبول الرأي الأول، كون الفصائل تقل شبهاً بالبشر. وبعضها لم تكن قد تطورت لديه ملكة اللغة بعد. اللغة هي عامل مهم جداً في تصنيف البشر، خصوصاً من ناحية اسلامية، لا يوجد هناك شك في أن آدم عليه السلام كان يتكلم لغة بشرية (بل إن هناك من يستدل بقوله تعالى “وعلم آدم الأسماء كلها” أنه أعطاه ملكة اللغة، شيء لم يملكه من قبل).

إذن فالرأي الثاني هو الأصح، وهو الذي بدا لي أكثر منطقية. إذاً كانت هناك فصائل مشابهة جداً للبشر قبل وأثناء حياة آدم عليه السلام.

الجينات والـ DNA
كنت قد قرأت سابقاً أن أشجار الموز والبشر يشتركون في 50% من جيناتهم!

أيضاً مرت علي كثيراً معلومة تقول أن البشر والشيمبانزي يشتركان في 98% من الجينات. أردت تمحيص هذه المعلومة والوقوف على أصلها. بعد الكثير من البحث، وصلت إلى هذا البحث العلمي من جامعة كالفورنيا للتقنية، والذي يذكر الكاتب فيه أن نسبة الاشتراك في الجينات بين البشر والشيمبانزي هي 95%.

طيب، لا بأس، 95%، لكن أهم شيء وصلنا لمصدر علمي يوثق هذا الرقم!

حاولت قراءة البحث لإستطلاع المزيد. الحقيقة أن علم الجينات ليس بذاك السهولة، ويحتاج الى شيء من التخصص. لكن نقطة في البحث برزت لي وجلبت إهتمامي بشدة. فالكاتب وضح أن هذه النسبة هي نسبة التشابه عند مقارنة كروموسومات الشيمبانزي بأكثر الأجزاء التي تطابقها من بين الكروموسومات البشرية. ماذا!؟ يقارنون فقط الأجزاء التي يرونها متشابهة، ثم يأتي البعض ويستدل بأن نسبة الشبه هي 95% لانهم استبعدوا الأجزاء الأخرى الغير متشابهة!؟

هذا يوضح أحد الصعوبات في بحث مثل هذا. تجد المتطرفين المتحيزين في كل الجهتين، وتجد المعلومات المغلوطة من الطرفين، ولا تستطيع أن تثق بأي معلومة إلا بعد دراستها بشكل مفصل.

وجدت أيضاً بحثاً آخر مشترك بين عدد كبير من الباحثين من مختلف الجامعات يضع نسبة التشابه عند مقارنة كل الأجزاء، يضعها عند 86.7%. لا تزال نسبة لها معنى ودلالة، لكنها ليست 98%. ذلك للأسف تدليس، خصوصاً عندما يتم تجاهل هذه التفاصيل.

الجينات والـ DNA من جديد
الذي يحصل في علوم الجينات هذه السنين هو مدهش ومثير للإهتمام حقاً. من ذلك إتمام كتابة الشفرة الجينية للبشر الذي حصل خلال العقد الماضي. ومن ذلك إستكشاف الشفرات الوراثية لمختلف الكائنات، والذي يتم الان في جامعات مختلفة حول العالم.

Neanderthal man

أحد أهم هذه الجهود وأكثرها صلة بموضوعنا، هو فك الشفرة الوراثية لفصيلة النياندرثال، المشابهة للبشر. المشروع لم ينته إلى الآن، ولكن نتائجه الأولية تشير إلى نسبة تطابق تصل إلى 99.7%. بغض النظر عن تفاصيل هذه المقارنة، يظل هذا الرقم واحداً من عدة أدلة كبيرة تشير إلى تشابه البشر الشديد مع فصائل تسبقهم من الكائنات الحية.

فانظروا كيف بدأ الخلق
منطقية هذه الأفكار دعتني إلى فكرة أولى في محاولة التوفيق بينها وبين القصة القرآنية للخلق البشري. هذه الفكرة هي أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام خلقاً منفصلاً عن بقية الكائنات، ولكنه خلقة بطريقة مشابهة جداً للحياة التي على الأرض. هذا شيء منطقي كونهم جميعاً يتشاركون كوكباً واحداً ويعيشون في نفس البيئة، وشرعاً من الممكن أن يستدل عليه بأن الله تعالى خلق آدم من قبضة من تراب الأرض — وفي هذا رمزية إلى تشابه الأصل وتشابه التكوين مع بقية سكان الأرض.

أخشى أن أقد أكون أسرد القصة بسرعة أكبر من اللازم، الانتقال بين هذه الأفكار وهذا البحث أخذ مني شهور وسنين، لذلك لا تتردد عزيزي القارئ اخذ استراحة من الموضوع والعودة لاستكامله لاحقاً إذا كنت تشاركني التسلسل المنطقي للأفكار. عن نفسي، أحتاج لاكمال الموضوع الان لأني لن استطيع اكماله اذا أجلت ذلك. أعرف نفسي.

قد يكون مما يذكر أن البحث في هذا الموضوع أشعل اهتمامي بمجال الـ Bioinformatics، وهو علم يستخدم علوم الحاسب الآلي لبحث ومقارنة ودراسة السشفرة الوراثية.

عموماً، عودة إلى الموضوع.

مضت شهور وأنا أعتقد اني مقتنع بفكرة خلق آدم خلقاً منفصلاً لكن متشابه لباقي الكائنات الحية، وخصوصاً الفصائل التي تشبهه. استمر ذلك إلى أن زرت موقعاً ورأيت هذا الرسم البياني:

Genome

هذا هو متصفح الشفرة الوراثية البشرية، والذي يمكنك من رؤية مختلف أجزاء الشفرة الوراثية البشرية وتفاصيل أخر متعلقه بها. الجزئية التي جذبت تركيزي هي هذه:

Genome browser

هذا باختصار هو معيار التشابه بين الشفرة البشرية وبينها لغيرة من الحيوانات والطيور. الرسم يعرض جزءاً واحداً من الشفرة، ويمكن تصفح باقي الأجزاء ومقارنتها عن طريق الموقع. السطر الأول هو لأحد فصائل القرود، (يدعى المكاك الريسوسي).وكل شرطة سوداء هي دلالة على اشتراك هذه المنطقة بين هذا الشفرة الجينية لهذا المخلوق وبينها للبشر. السطر الثاني هو للفأر، يليه الكلب، يليه الفيل، وغيره من الأنواع.

لم يخبرني الرسم بمعلومة جديدة، فقد قبلنا بالتشابه مع جينات الكائنات الحية بدرجات مختلفة. ولكنه وضعني أمام تساؤل لم استطع ايقافه.

السؤال الذي اجربني على تدبره هذا الشكل هو: إذا كان الله تعالى قد خلق آدم بطريقة مختلفة، وبإجراء منفصل عن باقي الكائنات الحية، فلماذا يزرع لنا كل هذه الأدلة التي تشير إلى أن أصل الحياة، بما فيها البشر هو أصل واحد. ليس ذلك فحسب، وإنما يأمرنا في كتابه بالبحث وتقصي الحقائق في هذا الموضوع.. لماذا؟

هناك من الناس من يستطيع أن يوقف نفسه من التساؤل عن سؤال مثل هذا. أنا لست من هؤلاء الناس. وكما ذكرت في مطلع السلسلة أن أحد مبادئ فهمي للعقيدة الإسلامية هي قاعدة ابن تيمية التي ذكرت في أن النقل الصحيح والعقل الصحيح لا يتعارضان.

للحديث بقية.

مقدمة الى التطور

December 2nd, 2010

« سلسلة التطور والإسلام

“جانب طريف في نظرية التطور هو أن كل شخص يظن أنه يفهمها” – جاك مونو


طائر الطنَّان ، منقارة ولسانه الطويلان يساعدانه بالوصول إلى الرحيق في أعماق الزهور. [مصدر الصورة]

قبل أن نستمر في مواضيع السلسلة، من المناسب كتابة مقدمة مبسطة إلى التطور لكي يتضح معنى الكلمة الذي نقصده.

إذا ذكر التطور في المصادر الحديثة، فإن ذلك يشير إلى نظرية التطور الحديثة. يمكننا تلخيص النظرية بقولنا أن الحياة على الأرض تطورت تدريجياً بداية من فصيلة واحدة بدائية (ربما جزيء قادر على صنع نسخ أخرى من نفسه) عاشت قبل أكثر من 3.5 بليون سنة. ثم تفرعت مع الوقت منتجةً أصناف جديدة ومتنوعة من الكائنات الحية، وأغلب الاختلاف التطوري (إن لم يكن كله) تم بواسطة الإصطفاء الطبيعي.

علم الأحياء التطوري (Evolutionary biology) هو دراسة كيف يتم ذلك التطور.

الإصطفاء الطبيعي
الإصطفاء الطبيعي هو فكرة تقول أنه إذا كان الأفراد الذين يعيشون ضمن فصيلة معينة لديهم صفات وراثية مختلفة، وكانت بعض هذه الصفات لها تأثير على قدرة الفرد على البقاء أو التكاثر في بيئته، فإنه في الجيل القادم ستكون الجينات (أو الصفات) “الجيدة” أكثر انتشاراً في الفصيلة من الجينات (أو الصفات) “السيئة”. ومع مرور الوقت، ستكون الفصيلة شيئاً فشيئاً أكثر ملائمة للعيش في بيئتها بسبب تكرار انتشار الصفات الجيدة وتكرار انقراض وتقلص الصفات الضارة، وأيضاً بسبب ظهور صفات جيدة جديدة بواسطة الطفرات الجينية. الفكرة في الواقع قد تبدو بديهية إذا نظرت إليها.


الماموث “ليوبا“، طفلة عمرها شهر واحد ماتت قبل 40 ألف سنة وحفظت جثتها بالكامل في الثلج.
[مصدر الصورة]

لنأخذ مثالاً، الماموث الصوفي الذي يشبه الفيل وانقرض في قديم الزمان. عاش الماموث في الأماكن الشمالية من أوراسيا (القارة التي كانت تجمع آسيا وأوروبا قديماً) وأمريكا الشمالية. من المحتمل أن الماموث الصوفي نشأ عن ماموث غير صوفي وليس له شعر، أشبه ما يكون بالفيلة التي نعرفها. وبسبب طفرات جينية حصل أن بعض أفراد الماموث كان لديه شعر أكثر من أفراد اخرين (مثل أن البشر ليسوا متساوين في كمية الشعر في أجسادهم مثلاً). عندما يتغير مناخ المنطقة وتشتد برودته، فإن الأفراد الذي لديهم كسوة أكث من الشعر تساعد بتدفئة أجسامهم ستكون لهم ميزة تمكنهم من تحمل الجو البارد أكثر من أشقائهم قليلي الشعر. هذا أدى إلى انتشار صفة كثافة الشعر لأن الأفراد ذوي الشعر الكثيف لديهم فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة لفترة أطول ولذلك فرصة أكبر للتكاثر ونقل صفة الشعر الكثيف لأبنائهم (الذين سيكونون إحصائياً أكثر عدداً وفاعليه من أبناء قليلي الشعر)، وهكذا دواليك. فجيلاً بعد جيل تزداد جينات الشعر الكثيف بالانتشار إلى أن تصبح كل أو أغلب الفصيلة مكسوة بالشعر بعد عشرات أو مئات الأجيال. كرر نفس العملية مع مختلف الصفات التي لها تأثير في مكافحة البرودة (كبر الحجم، نسبة الشحم في الجسم) وستحصل بعد زمن على فصيلة ذات صفات مختلفة عن الفصيلة الأصلية.

فلنأخذ مثالاً آخراً شائع بعض الشيء. العثة، تلك الفراشات التي تنجذب للضوء دائماً. العثة البيضاء كانت حشرة منتشرة في شمال بريطانيا لأن لون أجنحتها يجعلها خفية عندما تبيت على جذوع الشجر باهت اللون. هذه صفة جعلتها نتنشر لأنها جعلتها أكثر امانا من صيد الحيوانات والحشرات الأخرى لها. ولكن عند بداية الثورة الصناعية، اكتست الأشجار بغطاء داكن بسبب تلوث الجو وكثرة دخان المصانع. ذلك جعل العثة البيضاء فريسة سهلة لكل من يريد افتراسها، لأن لونها الأبيض يجعلها بارزة عندما تبيت على الأشجار الداكنة. ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن ابناء عمومتها، العثة السوداء أصبحت أكثر أماناً لأنها الان تستطيع التخفي بشكل أفضل، وبهذا إستطاعت أن تنتشر وتزيد أعدادها.
اكتساء لحاء الأشجار باللون الداكن في شمال انجلترا نتيجةً للتلوث الجوي من المصانع كان في صالح العثة السوداء (يسار الصورة)، وضد العثة البيضاء (يمين الصورة). زادت تباعاً أعداد العثة السوداء وتقلصت أعداد العثة البيضاء نتيجة للإصطفاء الطبيعي. [مصدر الصورة]
هذا مثال، او مثالين للاصطفاء الطبيعي. بيئة العثة في شمال انجلترا جعلت اللون الأبيض لأجنحة العثة صفة جيدة في البداية، فزادت أعداد الأفراد التي تحمل هذه الصفة، وازدادت الصفة انتشاراً. ثم جعلتها صفة سلبية بعد التلوث، وبذلك تقلصت أعداد الأفراد من هذا النوع، وأصبحت الصفة أقل انتشاراً في مجتمع العثة في شمال انجلترا بشكل عام. وأصبح اللون الداكن للأجنحة هو الصفة الجيدة التي تساعد العثة على البقاء، فانتشرت العثة الداكنة. هناك أيضاً جانب اخر هنا، وهو ان تقلص أعداد العثة البيضاء ساعد العثة الداكنة في العيش لأنه وفر لها المزيد من الغذاء والموارد والذي كانت تستهلكه الأعداد الكبيرة من العثة البيضاء سابقاً. هنا يبدو ترابط عدد من الأسباب التي تدخل في الاصطفاء الطبيعي.

الطفرات الجينية
هناك طريقتين تستحدث بهما صفات جديدة في الكائن الحي لم تكن عند والديه، أحدها هو إعادة التركيب الجيني، حيث تقوم الخلية بفصل وإعادة تركيب جزيء من الحمض النووي وتركيبه في مكان آخر. لكن الطريقة الأهم هي الطفرات الجينية.

الحمض النووي (DNA)، يحمل تعليمات بناء وتشغيل مختلف أجزاء الكائن الحي. [مصدر الصورة]

قد يعتقد أحد من الإسم أن الطفرات الجينية هي ظاهرة شريرة تنتج عنها أمراض وراثية غريبة، ولكنها في الحقيقة مسالمة في أغلب الأحيان. والتغيير الجيني الذي تضيفه إلى الفصيلة ويدعمه الإصطفاء الطبيعي هو من أهم عوامل بقاء الفصيلة وعدم انقراضها.


عندما تتجهز الخلية للإنقسام وإنتاج خلية جديدة، تقوم بنصنع نسخة جديدة من الحمض النووي للخلية الجديدة. بعض الطفرات الجينية هي أخطاء في النسخ مثل الموجود في الشكل.
[مصدر الصورة]

الطفرة الجينية هي تغيير عشوائي في ترتيب الحمض النووي، وهو يحدث بنسبة 30 تغيير لكل جين في كل جيل. أي أن كل إنسان حي الآن يحمل 30 تغيير جديد تماماً لم يوجد عند والديه. وهي عشوائية لأنها تنتج كأخطاء في نسخ الحمض النووي عند الإنقسام الخلوي – بدون أي تفضيل أو سبب لأين تقع هذه الأخطاء (أي أنه لا يتضح أن هناك أماكن معينة تحصل فيها أخطاء وطفرات أكثر من غيرها).

أكثر الطفرات الجينية لا يكون لها أثر واضح على الفرد او نسله (لأنها قد تتم في أقسام زائدة من الشريط النووي غير مسؤولة عن بناء أي صفات)، والكثير منها يتم اصلاحه عبر وسائل إصلاحية في الخلية. وفي نفس الوقت بعض الطفرات تنتج صفات قد تكون مفيدة للفرد، وقد تكون ضارة. هناك أسباب أخرى للطفرات الجينية مثل الفيروسات، والإشعاعات، وغير ذلك.

الطفرات الجينية تساهم في التطور بأنها مصدر مستمر يوفر اختلافات مختلفة. وبواسطة الاصطفاء الطبيعي، تنتشر هذه الصفات او تندثر مع مرور الأجيال بحسب فائدتها او ضررها على الأفراد الذي يحملونها او على الفصيلة.

مقطع من برنامج “DNA The Secret of Life” الوثائقي يبين تعقيد عملية نسخ الحمض النووي والأجهزة التي تقوم بها داخل الخلية:

عوامل تطورية أخرى
بالإضافة إلى الإصطفاء الطبيعي والطفرات الجينية، هناك عوامل أخرى في الطبيعة تشارك في عملية تطور الكائنات الحية، ولو أنها أقل أهمية من العاملين الأولين. أحد هذه العوامل هو الإنحراف الوراثي ، والذي هو التغيير في انتشار صفة من الصفات في مجموعة من نفس الفصيلة بشكل عشوائي. فلو مثلاً أخذت مجموعة من الناس، نصفهم من ذوي الشعر الناعم ونصفهم من ذوي الشعر الخشن، وتركتهم على جزيرة وزرتهم بعد عدة أجيال، فإنك ستجد أن نسبة الذين شعورهم ناعمة أو خشنة قد تغيرت، ليست لأسباب تطورية، ولكن عشوائياً تباعاً لتزاوجهم وغير ذلك. الإنحراف الوراثي أكثر أهمية وأثراً في المجموعات القليلة من الكائنات الحية، وبسببه قد تختفي بعض الصفات وتنتشر أخرى.

عامل آخر هو ما يسمى بـ “الإنتواع” (Speciation)، والذي هو عملية نشوء فصيلة جديدة من الكائنات الحية. هناك عدة طرق للإنتواع، أحدها هو أن تقسم الفصيلة إلى مجموعتين تعيشان في مكانين مختلفين (إما لأسباب إحتماعية كالهجرة مثلاً، أو لأسباب جيولوجية مثل بروز جبال تفصل بينها مع مرور الوقت). وبعد إنقسام الفصيلة إلى فرقتين تعيشان في مكانين مختلفين، تبدأ الفرقتين بالإختلاف عن بعض لأسباب مثل الإصطفاء الطبيعي الذي يفرض تطوراً مختلفاً إذا كانت البيئتين مختلفتين، وللطفرات الجينية المختلفة التي تحصل بين الفرقتين، وللإنحراف الوراثي الذي تمر به كل منهما. إذا دام هذا الأختلاف لفترة طويلة بالشكل الكافي، فإن الفرقتين إذا ألتقتا من جديد سيكونان اختلفا عن بعضهما بدرجة كافية لئلا يستطيعا التزاوج وتبادل الجينات.


أحد الطرق التي تنتج بها فصائل جديدة (الإنتواع) هي بأن تنقسم الفصيلة جغرافياً إلى مكانين مختلفين. تبدأ القصة من أسفل كل شكل كفصيلة واحدة، ومع الوقت يبدئان بالإختلاف. الدوائر وعلامات الزائد (+) تبين الصفات المختلفة ، وإذا أصبحت باللون الغامق، فهي تمثل فصائل جديدة.
[مصدر الشكل] من ترجمتي.

الصورة الكبيرة
هذه قد تكون أهم وحدات بناء نظرية التطور. هناك غيرها بالتأكيد، ولكنها أقل أهمية. باستخدام هذه العوامل، يفسر العلم الحديث (ليس بإجماع تام، ولكن بأغلبية ضخمه) بروز الأنواع المختلف للحياة من تلك الحياة الأولى قبل 3.5 بليون سنة. خلال كل هذا الوقت، 99.9% من فصائل الكائنات الحية قد إنقرض. التطور هو عملية تنتج موتاً أكثر من الحياة والبقاء. إذا نظرنا إلى شجرة الحياة الان والكائنات التي لا تزال باقية، فهي صورة ناقصة إذا أخذنا بالإعتبار كل الفصائل التي وجدت وملأت الفراغات بين الفصائل الموجودة حالياً، وايضاً التي كونت أغصاناً انقطعت وفنيت ولم يبق لها أثر في الشجرة الحياة الحالية.

فهمنا للتطور بدأ بكتاب “أصل الأنواع” الذي ألفه تشارلز داروين في عام 1859. الخطوة الكبيرة الثانية لفهمه جائت من عمل جورج مندل في شرح المورثات عن طريق تجاربه مع النباتات. ثم هناك الأحافير التي نكتشفها وتشرح لنا جزء من الصورة في الماضي. اخر العلوم التي زادت فهمنا للتطور بشكل كبير هو تطور علم الجينات، ومشاريع فك ومقارنة الشفرات الوراثية لمختلف الكائنات الحية. التطور هو النظرية الأساسية التي يستخدمها علماء الأحياء لفهم أصل الفصائل، وتمت مشاهدة عملها مراراً وتكراراً في المختبرات وفي الطبيعة. وتعتمد عليها علوم وتخصصات بشرية أخرى كثيرة كالطب، والعلم النفس، وعلم الإنسان، والزراعة وغيرها.

——-
مصادر

التطور والإسلام – أسئلة متكررة

November 23rd, 2010

« سلسلة التطور والإسلام


فراشة من فصيلة علامة الاستفهام [مصدر الصورة]

س – لماذا نهتم بالتطور وهو مجرد نظرية؟
هذا فهم خاطئ لكلمة “نظرية”. الكلمة قد تحمل هذا المعنى في مجالات مثل العلوم الاجتماعية، حيث تكون النظرية مجرد رأي أو توقع. أما في المجال العلمي، فالنظرية شيء مختلف. ففي المنهج العلمي التجريبي الذي هو أساس العلم، البداية هي ملاحظة ظاهرة طبيعية، ثم إيجاد فرضية او فرضيات لتفسير هذه الظاهرة، ثم اختبار هذه الفرضيات، والفرضيات التي تصمد في مواجهة الاختبارات تنتقل إلى كونها نظريات. أي أن هذا السؤال يخلط بين كلمة فرضية، ونظرية. النظرية العلمية هي فكرة لها قبول وتم اختبارها بنجاح، وليست مجرد رأي لا دليل عليه.

س – حتى وإن كان للنظرية قبول وأدلة، فهي ليس حقيقة لا جدل ولا شك فيها، أليس كذلك؟
هذا فهم خاطئ اخر لكلمة “نظرية”. فإذا كان السؤال السابق يعطي الكلمة أقل من حقها في التصديق والثبوت، فهذا السؤال يعطيها أكبر من حقها.

“نظرية” لا تعني حقيقة كونية ثابتة. بل تعني أن هذا هو أفضل تفسير لدينا الى الان لظاهرة طبيعية معينة، بناءً على ما نعرف إلى الان من أدلة، وما قمنا به إلى الان من اختبارات. من المحتمل في المستقبل أن تظهر المزيد من الأدلة وتغير فهمنا للنظرية قليلاً (مثل التغيير لقوانين نيوتن عند ظهور النظرية النسبية)، ومن المحتمل أن يكشف لنا الوقت عن أدلة تهدمها تماماً (ولو أن ذلك نادراً ما يحصل، لكنه ممكن على الأقل).

أغلب العلم البشري هو نظريات بهذه الدرجة من الثبوت، الحقيقة أن هناك القليل القليل مما نعرفه ويمكن أن نطلق عليه “حقيقة علمية لا جدل ولا شك فيها”.

س – داروين كان ملحداً (أو يهودياً) يحاول هدم الأديان بنظريته. لماذا نهتم بما يقوله من الأساس؟
ذلك يقال أيضاً عن اينشتاين (انه اما كان ملحداً او يهودياً)، هل نتناسى كل ما أتى به من العلم؟ هل نبدأ من جديد بافتراض أن المادة والموجات ليس بينهما علاقة؟ هل نبدأ نظريات مؤامرة تقول أنه لم يكن هناك أبداً قنابل نووية وأن كل ذلك زيفته الماسونية مثلاً؟

ما أود قوله هو أن هذا المنهج في قبول او رفض العلم ليس منطقي. لا يهم من هو الشخص الذي خلف الفكرة العلمية، الأهمية الوحيدة هي لـ: هل تصمد في مقابل الاختبارات ام لا؟ هل تفسر ظاهرة طبيعية بشكل صحيح او كافي ام لا؟ هل تعطي توقعات يمكن اختبارها ام لا؟ التصنيف بناءً على الخلفيات الفكرية والشخصية ليس منهجاً علمياً معتبراً في أي مكان في العالم في مجتمعات العلوم الطبيعية.

الموضوع ليس موضوع تشارلز داروين. والتطور لم يبدأ بتشارلز داروين. التطور هو فكرة بشرية قديمة، من أبرز من عبر عنها هو علماء المسلمين على مر العصور، داروين فقط هو أول من حاول جمع أدلة عليها وأتى بفكرة الإصطفاء الطبيعي كعنصر أساسي في التطور. والتطور كما نفهمه حالياً هو نتيجة لجهود الاف العلماء والباحثين الذين أتوا بعد تشارلز داروين.

س – كيف نقبل بالتطور والله سبحانه هو خالق كل شيء؟ التطور ينفي عن الله أنه خلق الكائنات الحية، أليس ذلك؟
هذا خطأ شنيع، وهو سوء فهم لكلمة “خلق”.

لو سألتك، “من خالقك؟” ماذا ستجيب؟
افتراضي لو أنك كنت مؤمناً هو أنك ستقول “الله”.
ثم لو سألتك، “كيف تقول أن الله خالقك، ألم تلدك أمك؟ ألم تتكون في جنينها بعد عملية التخصيب الطبيعية كباقي البشر؟” ماذا سيكون جوابك؟

وهنا المفترض أن تتضح الصورة. فالله تعالى قادر على خلق الأشياء بأن يقول لها “كن” ، فتكون. وأن يخلقها من العدم، وأن يخلقها خلافاً للقوانين الطبيعية في الكون الذي هي فيه. ولكنه لا يخلق كل شيء بهذه الطريقة. بل المتأمل في السماوات والأرض وتاريخهما، يجد أن خلق الله في هذا الكون يمكن تفسيره بالقوانين الطبيعية. قد يعتقد أحد أن هذا لا يصح لأنه ينفي عن الله فعل خلق الأشياء (لو أنها تمت بالقوانين الطبيعية في الكون)، ولكن هذا في الواقع هو خلق يقوم به الله تعالى. فالقوانين الطبيعية هو واضعها، وهو حافظها. وهو خالق المادة كلها، فأي شيء يتكون من، أو نتيجة لهذه العناصر الأولية هو تلقائياً من خلق الله.

وبعد تصحيح هذا المفهوم الخاطئ، نستطيع ، وبكل بساطة ، أن نقول بأن الله تعالى خلق الكائنات الحية عبر عملية التطور. هذا هو الذي نعرفه في هذه المرحلة من الفكر البشري، وبالتأكيد أننا ما أوتينا من العلم الا قليلا.

لماذا تبحث في التطور وهو نظرية إلحادية؟
التطور ليس نظرية إلحادية على الإطلاق. التطور ليس فكرة دينية أساساً. التطور هو مجرد تفسير لظاهرة طبيعية (اختلاف الكائنات الحية وتشابهها، واحتمال كونها من أصل واحد). التطور لا يتكلم عن وجود خالق أو عدمه، ولا يدخل هذا في المصادر العلمية التي تتكلم عنه اطلاقاً.

هناك من يأخذ التطور كوسيلة يحاول نفي الخالق بها، ولكن هذا خطأ منه، ولا ينبغي أن نعالج الخطأ بخطأ أكبر منه. فهناك مثلاً من يحتج بالجاذبية كوسيلة يحاول بها نفي أن الله خلق الكون (ستيفن هوكينق في تصريحاته الأخيرة)، هذا خطأ منهم ومغالطة منطقية، هل نرد على هذه المغالطة بأن ننفي الجاذبية ونبدأ بالقفز من سطوح الجبال؟ بالتأكيد لا، بل نوضح أين يقع الخطأ في هذه الفكرة، وحسب.

التطور لا ينفي الخالق لأنه لو صح التطور، فإنه هو مجرد طريقة الله في خلق الكائنات الحية، كما يظهر لنا من الأدلة المادية في الموضوع..

لو كان التطور حقيقياً، لماذا لم يذكر في القران او الحديث؟
لماذا لم يذكر الكهرباء في القران والسنة؟ لماذا لم تذكر القوة الكهرومغناطيسية التي تحكم اكثر الكون؟ الجاذبية؟ لماذا يذكر البينيسيلين كوسيلة لمكافحة البكتيريا؟ لماذا لم تذكر سرعة الضوء؟

هذا السؤال لا ينتج إلا عن فهم خاطئ لطبيعة القران والسنة ولمقاصدهما. فلم يهدفا أبداً لتفسير الكون كله، ولكنهما في نفس الوقت حثانا على البحث والتفكير وإعمال العقل في ايات الله في الكون، وفي أنفسنا. فمتابعة البحث العلمي الصحيح هو من تحقيق مقاصد الكتاب والسنة، وهو ما فهمه علماء المسلمين الأوائل الذين غيروا وجه العالم.

أقوال المفكرين المسلمين الموافقة للتطور بمفهومه العام

November 23rd, 2010

« سلسلة التطور والإسلام


[مصدر الصورة]

كان لعلماء المسلمين دور في ملاحظة الطبيعة، ودراسة التاريخ الطبيعي للكائنات. ومن دراساتهم تركوا لنا بعض ملاحظاتهم عن هذا الموضوع. كلمة “التطور” في العنوان لا تشير إلى نظرية التطور الحديثة بالتحديد، ولكن إلى فكرة التطور بشكل عام، وهي فكرة سبقت داروين بمئات وآلاف السنين. وهي النظرة إلى تقارب الكائنات الحية وتشابهها، وإمكانية ترتيبها من الأكثر بساطة الى الأكثر تعقيداً، وإعتبارات هذا التقارب وما قد يستنتج منه.

ابن خلدون
يذكر ابن خلدون في كتاب “المقدمة” عن إتصال الكائنات الحية ببعضها:

“إنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض… انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخيل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدرج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق الإنسان بعده، وهذا غاية شهودنا.”

كما ينفي في نفس الكتاب نسبة أحد الصفات إلى أسباب غيبية غامضة ويدل على الأسباب الطبيعية التي تفسر هذه الظاهرة:

“وقد توهم بعض النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أن السودان وهم ولد حام بن نوح، اختصوا بلون السّواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وفيما جعل الله الرّق في عقبه، وينقلون في ذلك خرافات من القصص، ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التـوراة وليس فيه ذكر السّواد ، وإنما دعا عليه بـأن يكون ولده عبيدا لولد أخوته لا غير . وفي القول بنسبة السودان إلى حام. غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وبما يتكون فيه من الحيوانات ، وذلك أن هذا اللون شمل أهل الإقليم الأول والثاني من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة في الجنوب ، فإن الشّمس تسامت رؤسهم مرّتين في كل سنة قريبة إحداهما من الأخرى فتطول المساتمة عامة الفصول ، فيكثر الضوء لأجلها ويلح القيظ الشديد وتسود جلودهم لإفراط الحر.”

إبن مسكويه
يقول إبن مسكوية في كتابه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”:

“أن الموجودات مراتب، وكلها سلسلة متصلة… وكل نوع من الموجودات يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يترقى ويتعقد حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، فالنبات في أفق الجماد، ثم يترقى حتى يبلغ أعلى درجة، فإذا زاد عليها قبل صورة الحيوان. وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً ثم يترقى حتى يصل إلى مرتبة قريبة من الإنسان.”

ويضيف عن تدرج الحيوان إلى ما يقترب من صورة الإنسان قائلاً:

“هو الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه ويتشبه به من غير تعليم كالقردة وما أشبهها، ويبلغ من ذكائها أن تستكفي في التأدب بأن تري الإنسان يعمل عملاً فتعمل مثله من غير أن تحوج الإنسان إلى تعب بها ورياضة لها. وهذه غاية أفق الحيوان التي إن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة، خرج بها عن أفقه وصار في أفق الإنسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق والآلات التي يستعملها والصور التي تلائمها.” [١]


[مصدر الصورة]

الجاحظ
تذكر ويكيبيديا العربية عن الجاحظ:

كان الجاحظ أول أحيائي وفيلسوف مسلم يتكهن بالتطور تفصيليا في القرن التاسع للميلاد. في كتابه الحيوان، أخذ بعين الاعتبار التأثيرات البيئية على فرص الحيوان للبقاء، ووصف الصراع من أجل البقاء، وكتب الجاحظ أيضا عن سلاسل الغذاء. يعتبر تكهن الجاحظ عن تأثير البيئة على الحيوانات نوع مبكر من نظريات التطور. ووصف الصراع من أجل البقاء حيث توقع فيه الاصطفاء الطبيعي.”

القزويني
أما القزويني، وهو من مشاهير العلوم الطبيعية المسلمين فيذكر في كتابه “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”:

“إن أول مراتب هذه الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية طاهرة، فالمعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء وآخرها بالنبات. والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الفلكية” [١]

خالص جلبي
يقول المفكر الإسلامي خالص جلبي في مقاله “متى بدأت رحلة الإنسان على الأرض؟“:

“عندما كتب المؤرخون عن تاريخ الإنسان على الأرض كانت الرؤية التقليدية أنه هبط من جنة عدن إلى أرض الشقاء. وكلمة (اهبطوا) أوحت إلى البعض أنه (أنزل) من كوكب آخر. وأنه عجن دفعة واحدة. وأن لا علاقة له ببقية الكائنات.[...] وما يقوله العلم ان آدم عاش في أفريقيا وأنه لم يكن شكلاً واحداً بل زاد عن عشرة أشكال. وأنه كان من طين لازب من الأرض. وأنه وبقية الكائنات تتصل بشجرة الخليقة فلم يهبط آدم من السماء بل نبت من الأرض والله أنبتكم نباتا.[...] وكان (ابن خلدون) و(ابن مسكويه) من أوائل من أشار إلى اتصال كل أفق من المخلوقات بالأفق الذي بعده كما بين الحلزون والنخيل وأن هناك نوعا من التحول (العجيب) من آخر أفق من الكائنات إلى أول الأفق الذي بعده. ومع أن (تشارلز دارون) طرح منذ عام 1859 كتابه عن (أصل المخلوقات) فنحن ما زلنا في الشرق لا نتحدث في هذا الموضوع خوفا من العوام. كما حصل عام 1854م في زمن الشريف (عبد المطلب) في مكة حينما جاءه أمر من الوالي العثماني بأن السلطان تحت ضغط بريطانيا يريد إنهاء بيع الرقيق في الأسواق. (فلما استدعى الوالي دلالي الأرقاء وأبلغهم بالخبر هاج الناس وتنادوا بالجهاد.. وأنه مخالف للشرع واشتبكوا مع الحامية التركية ووقع العديد من القتلى) على ما ذكره الوردي في موسوعته عن تاريخ العراق الحديث.”

فالفكرة واضحة لمن يتأمل الطبيعة ويدرسها بعمق، ولا يوجد تعارض مبدئي بينها وبين الاسلام حسب فهم عدد من مفكري الاسلام وعلماء الطبيعة المسلمين على مر العصور. هذا كله اشارة الى قبولهم لاتصال افق الكائنات الحية ببعضه. وأيضاً على أفضلية التفسير الطبيعي العلمي للظواهر الطبيعة.