إرهاصات جهاد

ما أفكر, وما أكتشف في الحياة, وفي الانترنت


التسويق الفيروسي للعبة Fun Run في العالم العربي

April 10th, 2013

واجهة فن رن

بدأت أسمع عن لعبة Fun Run قبل حوالي أسبوعين. ثم أثناء اللقاء الاسبوعي للعائلة شاهدت كمية تعلق الاطفال بها، وأحسست أن ذلك إشارة إلى أنها اصبحت منتشرة انتشار كبير في السوق السعودي.

لأن عندي اهتمام مهني بمعرفة كيفية انتشار التطبيقات في المنطقة، أردت أن أحاول دراسة نمو هذا التطبيق ومعرفة أسباب نموه والخطوات التي ساعدته في ذلك. هذه التدوينة هي محاولتي لمتابعة انتشار التطبيق، وللتعرف على الأسباب التي أدت إلى انتشاره بهذا الشكل.

الانتشار الفيروسي

انتشار فن رن هو الانتشار الذي يطلق عليه “الانتشار الفيروسي” او “Viral Growth”. هناك كتب ومقالات عديدة تدرس وتحلل طريقة الانتشار هذه. لكن الذي يتفق عليه الكثيرون، هو انك اذا أردت ان تحاول الاستفادة من طريقة انتشار كهذة، فيجب أن تبني أشياء معينة في التطبيق نفسه. يعني أن أكثر اسباب انتشار فن رن بهذا الشكل هي خصائص موجودة في التطبيق نفسه.

أسباب داخلية

اذا لم تكن قد لعبت اللعبة من قبل، هي لعبة يلعبها اربعة اشخاص يتسابقون فيها إلى خط النهاية. الشخصية التي تلعب بها تركض بنفسها، كل ما عليك هو ضغط الشاشة للقفز لتفادي العقبات او لجمع اسلحة وأدوات اخرى تساعدك في الوصول بشكل أسرع.

فن رن، بداية اللعبة

في تصوري، السبب الرئيسي لانتشار لعبة فن رن هو أنها من أوائل العاب الجوال التي بتنافس فيها أكثر من لاعب معاً في نفس الوقت (real-time multiplayer). فلو أعجبت أحد الأولاد مثلاً، فلديه حافز كبير اذا اجتمع مع أصحابه أن يخبرهم عنها لكي يحملوها ويبدؤا باللعب ضد بعض في نفس الجلسة. ثم اذا اجتمع كل منهم مع أصحابه الاخرين، يبدأ باخبارهم، وهكذا دواليك.

هذا هو السبب الرئيسي والذي يميز فن رن عن كثير من الألعاب الأخرى. لكن هناك عدد من الاسباب التي تساهم ايضاً في انتشار اللعبة بهذا الشكل:

  • سهولة التسجيل
    لا تحتاج لكي تبدأ اللعبة إلا إلى اختيار اسم مستخدم.
  • سهولة اللعب مع الأصدقاء
    لكي تضيف صديق وتلعب معه، تحتاج فقط إلى اسم المستخدم التابع له. رأيت ابن عمتي ذو الخمس سنين يضيف قريبه الاخر في ثواني معدودة.
  • النقاط
    اذا أكثرت اللعب باللعبة، تتجمع لديك نقاط اكثر.
  • قوائم النقاط
    تعرض لك اللعبة عدد نقاطتك بالمقارنة مع أفضل 50 لاعب على مستوى العالم. لكن الأكثر أهمية بحق، هو مستواك بين أصدقائك الذي قمت باضافتهم.
  • مجاناً
    اللعبة مجانية. لكن يأتي دخلها عن طريق الشراء من داخل التطبيق (in-app purchase) حيث تستطيع تغيير شكل شخصيتك وشراء اكسسوارات لها.

عدا عن ذلك، اللعبة بذاتها ليست بتلك الجودة في رأيي. سبقتها الكثير من الألعاب بنفس الطريقة (لكن بلاعب واحد) برسوم أفضل وجودة أعلى. قد يكون أبرزها لعبة Rayman Jungle Run:

Rayman

أسباب خارجية

هناك أسباب خارجية ساعدت في تسويق وانتشار التطبيق في المنطقة الأيام الماضية. أول مكان نطالعه هو متاجر التطبيقات. فن رن هي في المركز الأول في متجر تطبيقات الايفون و الثاني في متجر تطبيقات الاندرويد (خلف واتساب). هذي افضل علامة على الشعبية الحالية للعبة. أقدر مرات تنزيلها بمابين الـ 10 الاف و40 الف تنزيل في اليوم (اجمالي الايفون والاندرويد).

المواقع

عند بداية بحثي هذا، كنت أتوقع بدرجة عالية من الثقة أن أحد المواقع العربية الكبيرة كان له الفضل في اعطاء اللعبة ولو دفعة أولية. لم أجد في الحقيقة الأدلة التي أتوقعها. أكبر موقع كان قد كتب عن اللعبة عند بداية انتشارها هو بوابة الانترنت الرقمية. هذا الموضوع كتب في 26 مارس. مع أنه قد يكون ساهم في دفع اللعبة، الا أنني اميل إلى ان اكبر انتشارها كان لأسباب أخرى.

تاريخ الانتشار

هنا جائني تساؤل: هل من الممكن ان اللعبة منتشرة من قبل، لكني لم اسمع عنها الا مؤأخراً؟ للإجابة على هذا السؤال اتجهت إلى Google Trends الذي يبين عدد مرات البحث عن كلمات معينة.

هناك عدة أشياء نستطيع التعرف عليها من الرسم:

  • لم يكن هناك اي بحث يذكر في جوجل عن كلمة “فن رن” قبل شهر مارس الفائت. اذاً اللعبة لم تبدأ بالانتشار في الوطن العربي الا خلال الشهر الماضي، يوم 24 مارس تحديداً.
  • شهدت اللعبة اكبر زيادة لها أيام الخميس والجمعة. تصوري أن ذلك بسبب اللقاءات الاجتماعية خلال نهاية الاسبوع. دليل اخر على استفادة اللعبة من الصيت (Word of mouth) في انتشارها.
  • انتشار اللعبة لا زال يزيد بقوة. أتصور أننا لا نزال في بداية انتشارها.

الانتشار العالمي

أيضاً راودتني فكرة مقارنة انتشار اللعبة في العالم العربي بها عالمياً. هذا الشكل يبين انتشارها عالمياً (بالخط الأحمر، “Fun Run Game”) مقارنة بها في العالم العربي (بالخط الأزرق، “فن رن”).


ملاحظات على الشكل:

  • انتشار اللعبة عالمياً بدأ في 28 نوفمبر، اي بعد حوالي شهرين ونصف من اطلاقها.
  • استمرت شعبية اللعبة لحوالي شهرين. الملاحظ أنه كما أن نموها كان سريعاً، فإن اختفائها كان سريعاً أيضاً.
  • اذا تكرر هذا النمط في العالم العربي، فيمكننا توقع نزول شعبية اللعبة في منتصف شهر مايو.

تأكيد

من الممكن أن يسأل أحد هنا “إلى أي مدى يعتبر البحث في قوقل معبراً عن عدد مرات التحميل الفعلي للعبة؟”. وهو سؤال جيد في الحقيقة. اقرب طريقة وجدتها لذلك هي بالشكل الذي يوفره متجر الأندرويد لعدد مرات تحميل التطبيق خلال اخر الثلاثين يوم :

وعند محاولة تطبيق الشكل على مرات البحث ("فن رن" بالأزرق، "Fun Run Game" بالأحمر) ينتج هذا الشكل:

مما يدل على أن هناك علاقة واضحة بين مرات البحث (مجموع الخطين الأزرق والأحمر) ومرات التحميل.

تويتر

تويتر هو وسيلة أخر لمعرفة انتشار اللعبة. عند البحث عن “فن رن”، أقدم تغريدة عن اللعبة في الـ Top Tweets كانت بتاريخ 2 مارس. ولكن التسارع التغريد عنها يبدأ حاولي يوم 25 مارس. النتائج مشابهة عند البحث عن “لعبة Fun Run”.

لكن أكثر الناس في تويتر يتكلمون عن اللعبة كـ “فن رن”:

للأسف لم أستطع الحصول على تغريدات قبل يوم 27، بسبب الضوابط التي يضعها تويتر على البحث باستخدام واجهته البرمجية.

من الكويت إلى السعودية

بداية انتشار اللعبة في العالم العربي بدأت في الكويت كما يظهر لي. لاحظت ذلك في بداية التغريدات. كما أن بعض أصدقائي الكويتيين يحدثونني أن كل معارفهم في مختلف الاعمار يلعبونها. هذا يجلب التساؤل، هل سنتهي انتشارها في العالم العربي في السعودية والخليج؟ أم سيمتد إلى مصر مثلاً؟

مقارنة مع كيك

“برنامج كيك” بالخط الأزرق. “فن رن” بالخط الأحمر.

أسئلة مفتوحة

انتشار لعبة Fun Run لا يزال مستمراً على أشده. لكن بحث مثل هذا ينتج عنه أسئلة اضافية.

  • هل تم دفع اللعبة بواسطة أي اعلانات؟ هل رأيت اي اعلانات لها في اي التطبيقات؟
  • هل فات علي موقع كبير كتب عن اللعبة في بداية انتشارها؟
  • ما نوع التحليل اللازم عمله للتغريدات التي تحوي “فن رن” لمعرفة المزيد؟
  • هل من الممكن أن تنتشر اللعبة في العالم العربي انتشاراً يفوق انتشارها العالمي؟
  • ما نوع البحث الذي يمكن عمله في انستاقرام؟ هناك 21 ألف صورة تحت وسم #fun_run

خاتمة

أهم من هذه الأسئلة كلها هو سؤال “ماهي الدروس المستفادة لتطبيقي او اي تطبيقات اخطط لتطويرها؟”. هذه بعض أفكاري حول الموضوع:

  • التسويق والانتشار الفيروسي هو وسيلة في غاية القوة. لا أظن ان المبرمجين النرويجيين الستة دفعوا ولا ريال او دولار للاعلان عن لعبتهم في العالم العربي. ولكنها انتشرت انتشار النار في الهشيم رغماً عن ذلك لأنها بنيت على مبادئ تستغل وتستفيد من الانتشار الفيروسي. اذا أردت معرفة أساسيات التسويق الفيروسي، فعليك بكتاب Unleashing the Ideavirus (هذا PDF مجاني من المؤلف) و The Tipping Point و Made to Stick.
  • سهولة الاستخدام شديدة الأهمية في كل المنتجات، خصوصاً البرامج والألعاب حيث المنافسة محتدمة. هذا سهل ممتنع، ولا يمكن الا باختبارات المستخدمين المتتابعة.
  • اذا كنت ستصنع لعبة على الهواتف الذكية، فكر في جعلها متعددة اللاعبين الذين يلعبونها في نفس الوقت. هذه يبدو أنها ستكون موضة قادمة وقوتها في نشر المنتج لا يستهان بها.
  • هذا مثال آخر يؤكد على قوة نموذج أن توزع تطبيق بالمجان، ولكنه جيد ويجعل الناس يدمنون عليه ويشترون اضافات من داخل التطبيق. لم تتوفر لدي أي معلومات عن كمية الدخل الذي أدرته اللعبة على مطوريها. أتمنى أن يعلنوا ذلك في وقت ما.

حلم حياة (سندي)

November 27th, 2012

عدت الأسبوع الماضي من زيارة خاطفة لجدة لحضور الحفل الافتتاحي والتعريفي لمعهد التخيل والبراعة i2 institute الذي أسسته وتشرف عليه العالمة حياة سندي.

لم أكن أعرف أي شيء عن المعهد قبل أن تصلني الدعوة للحفل قبلها بأسبوعين. قررت الحضور لاعجابي الشخصي بحياة سندي، ولأسماء المتحدثين في الحفل التي شملت مدير التقنية السابق في شركة Pixar بالاضافة إلى جوي ايتو، مدير مختبر MIT Media Lab و مستثمر مبكر في تويتر وفليكر وغيرها.

الدعوة والموقع أعطتا فكرة عامة بسيطة عن المعهد. كيف أنه يهدف إلى تعزيز التقنية والعلوم والمبادرة في الشرق الأوسط وفي السعودية بالتحديد. لكن لم تكن خطته واضحة تماماً.

كان تنظيم الحفل رائعاً في الحقيقة. في اليوم الأول تم التعريف بالمعهد وبرنامجه، وفي اليوم الثاني ألقى المتحدثون كلمات قد تكون بعض أفضل الكلمات التي استمعت لها.

المعهد

المنتج الرئيسي للمعهد هو برنامج احتضان لـ 12 محتضناً يستمر لثمانية أشهر، يقود البرنامج مشاريع هؤلاء المحتضنين من أفكار إلى شركات عبر التدريب في ادارة الأعمال وفي القيادة، والربط بمرشدين على مستوى عالمي، بالاضافة إلى التدريب لستة أسابيع في Harvard Innovation Lab وقضاء فترة تعليمية في MIT Media Lab (هاذان اثنان من أكثر المختبرات براعة وابداع على مستوى العالم).

يفضل المعهد أن تكون المشاريع في خدمة أحد أربعة مجالات: الطاقة، الصحة، الماء، والبيئة. كما يفضل أن تكون اختراعات او ابتكارات يمكن حمايتها فكرياً.

أعلنت د. حياة أنه تم فتح باب التسجيل عبر موقع المعهد. فيمكنك تسجيل فكرتك والتقديم لبرنامج الاحتضان حالاً.

العجيب هو أن د.حياة تعمل بجد منذ عشرة سنوات لإنشاء المعهد، لكن لم يمكن إنشاء المعهد وتكامل عناصر إلا الآن.

——————————————

الكلمات

تم في اليوم الثاني تنظيم ورشتي عمل تهدفان الى التعرف اكثر على بيئة التقنية والعلوم في المملكة وتعارف بعض المنتمين لها على بعض. وتخلل ورشتي العمل هاتين الكلمات التي القاها المتحدثون.

بقدر حماسي للمتحدثين، لم أكن أتوقع أن يكون حدثيهم بهذه الدرجة من الالهام. كانت فعلاً كلمات على مستوى مؤتمر TED العالمي. وسأحاول توضيح أهم ما علق بذهني من الكلمات.

تطوير ثقافة الابتكار


جريج براندو، المدير التنفيذي للتقنية (سابقاً) في بيكسار، والت ديزني ستوديوز، وشركة نيكست (التي أسسها ستيف جوبز بعد مغادرته ابل في التسعينات).
Developing a Culture of Innovation
Greg Brandeau
Former Chief Technical Officer of Pixar, The Walt Disney Studios, and NeXT

من يعرف عن الإبداع وبناء ثقافة مبدعة أكثر من بيكسار؟ الشركة التي أنتجت 13 فيلماً كلها ناجح، وبمعدل دخل أكثر من مليار دولار للفيلم، بالاضافة إلى 26 جائزة أوسكار.

لا يمكن تحقيق نجاح ضخم مثل هذا دون أن يكون مجتمع بيكسار الداخلي عبقرياً سواءً كأشخاص وكمجموعة منظمة بطريقة تحفز الإبداع ومبادئ تعزز هذا الجانب بشكل كبير. هذا الذي تكلم عنه جريج وأسماه “العبقرية الجماعية” (Collective Genius).

يقول جريج أن بيكسار استطاعت تحقيق هذا النجاح عبر جعل موظفيها راغبين أولاً بالإبداع(willing)، وبوضع عمليات ومبادئ داخليه محفزة للإبداع (able).

الرغبة في الإبداع

  • عملت بيكسار كثيراً على تنمية روح التعاون بين الموظفين. أحد الأمثلة التي ضربها جريج هي نظام المكافأت في الشركة. جزء من أرباح كل فيلم من أفلام بيكسار يوزع على الموظفين ليكون دافعاً للجميع لعمل كل ما باستطاعتهم للتعاون لإنجاح الفيلم.
  • يتم توزيع المكافأة تناسباً مع راتب كل موظف في الشركة. كأن يحصل كل موظف على راتب شهر إضافي مثلاً.
  • تعقد بيكسار الكثير من الدورات التدريبية للموظفين ليتعرف كل منهم على مجال الأقسام الأخرى في الشركات. فيدعى مثلاً موظفي قسم التقنية وقسم الرسم إلى دورة في أساسيات القصة ينظمها قسم القصة في الشركة. هذا يؤدي إلى أن يتعرف الشخص على مالذي يفعله زملاؤه في الأقسام الأخرى. هذه المعرفة تتحول إلى إحترام لأنه حينها يقدر صعوبة ما يقومون به ومستواهم العالي فيه. هذه الدورات أيضاً هي أحد الوسائل الجيدة ليتعرف الشخص على الاخرين الذي يعملون في أقسام اخرين لحضورهم نفس الدورات.

القدرة على الإبداع

ذكر جريج ثلاثة مبادئ للإبداع في بيكسار.

1- الإحتكاك الإبداعي (Creative Abrasion)

  • في بيكسار، يستطيع كل شخص تحدي اي فكرة متعلقة بالعمل. وطالما أن الموضوع لا يصل إلى السب الشخصي، يتم تحدي ومناقشة كل الأفكار بشكل مفتوح وعادة بحماس وحدة لأن مختلف الأطراف تكون مؤمنة برأي او اخر في الموضوع.
  • الفرق متعودة على هذه الطريقة في العمل. أغلب القرارات تتم عبر اتفاق الفريق بعد نقاش طويل وحاد لكن احترافي.
  • تسربت شخصية ستيف جوبز الى طريقة تفكير الموظفين في الشركة. فإذا رأوا مثلاً شيء في أحد الأفلام لم يعجبهم، فإنهم يبدون عداء حاد لذلك الجانب ويطالبون بتعديله. كما هو معروف عن ستيف جوبز بأنه يصف الأشياء اما بكونها فاشلة (shit, على حد تعبيره)، أو رائعة بشكل خرافي (insanely great).

2- الرشاقة الإبداعية (Creative Agility)

  • يعرف جريج الرشاقة الإبداعية بأنها القدرة على اختبار وصقل الأفكار عبر السرعة في التنفيذ، الدراسة، والتعديل. وفعل ذلك بشكل متكرر.
  • أثناء العمل على اي فيلم لبيكسار، يتم عرضه كل أربع شهور لكامل الشركة – على المبرمجين، والطباخين، وعمال التنظيف،
  • كل ردود الأفعال وأراء وملاحظات الموظفين تصل إلى مخرج الفيلم. فحتى لو كان مخرجاً حائزاً على أوسكارات، فإنه يستمع إلى رأي عمال النظافة عن جزئيات الفيلم.
  • الهدف من ذلك ليس أن يتم تعديل الفيلم تباعاً لأي ملاحظة، ولكن ليأخذ المخرج الموضوع بالحسبان لو تكررت بعض الملاحظات.

3- اتخاذ القرارات الإبداعي (Creative Resolution)

  • هي القدرة على إتخاذ القرارات بشكل متكامل
  • تفخر بيكسار بتنوع موظفيها وخبراتهم، وتستفيد من ذلك في اتخاذ القرارات بشكل كبير.
  • في اجتماعات الشركة الإدارية، يجتمع ممثلين من كل أقسام الشركة، فحتى مدير قسم المرافق يشارك بالنقاش في المشاكل الكبيرة المتعلقة بقسم التقنية مثلاً خلال اجتماعات المدراء التنفيذيين.
  • حبس الجميع أنفاسهم حين ذكر جريج قصة فقدان قسمه لفيلم توي ستوري 2 بالكامل قبل عرضه. فبعد ما انتهى العمل على الفيلم، قرر القسم التقني أن يبدأ نظاماً للنسخ الإحتياطي للتأكد من وجود النسخة في أكثر من مكان احتياطاً لأي مشاكل قد تحدث. وأثناء تطوير هذا النظام وتطبيقه على بيانات الفيلم، قام النظام بمسح كل هذه البيانات. ثم قام النظام بمسح كل النسخ الإحتياطة أيضاً. مليار دولار تبددت هكذا بسبب خطأ برمجي. جريج كان مدير القسم وكان أكثر وقت عصيب في حياته. بل ان كل موظفين قسم التقنية في الشركة أضحوا مكروهين من كل الأقسام الأخرى في الشركة، ولا يمشون في المبنى إلا مطأطئين رؤوسهم..
  • كانت إحدى الموظفات لا تستطيع العمل في المكتب لأنها ستضع مولودها قريباً. ولأن سرعات الانترنت في ذلك الوقت (1997) لم تسمح بالعمل عن بعد، فإن الشركة قامت بإعطائها جهاز حاسب خاص تستطيع أداء عملها عليه من منزلها. كان ذلك قبل أسبوع من هذه الحادثة، ولحسن الحظ أن عملها تطلب وجود بيانات توي ستوري 2 عليه. تم استرجاع الفيلم من هذه النسخة الوحيدة.
  • كيف تعامل ستيف جوبز ومدراء الشركة مع هذه الحادثة؟
    قاموا بسؤال الناس من مختلف أقسام الشركة هذا السؤال: “هل وقع قسم التقنية في هذا الخطأ لأنهم غير أكفاء أم لأنهم يقومون بشيء معقد بشكل جنوني لابد أن تحدث فيه مثل هذه الأخطاء؟”. رأي الموظفين في الشركة هو الذي سيقرر كيف يتم التعامل مع الفريق.
  • لحسن حظ جريج، جان رأي موظفي الشركة أن ما يقوم به قسم التقنية هو معقد جداً، لذلك احتفظ جريج بوظيفته، ولكن بعد أن طلبوا منه ألا يحدث ذلك مرة أخرى.

اختتم جريج كلمته باقتباس جميل من مدير بيكسار، جيم موريس. “فن الإدارة الحقيقي هو صنع عالم يتمنى الناس الإنتماء إليه”. كما أخبر بأنه يقوم بكتابة كتاب يلخص هذه التجربة تحت اسم Collective Genius.

———————————–

الإبداع في الشبكات المفتوحة – Innovation in Open Networks
جوي إيتو – Joi Ito

  • الشبكات المفتوحة (مثل الانترنت) تتقدم بسرعة بسبب عدد من المبادئ التي يؤمن بها المبرمجين والباحثين الذي أسسوها ويطورونها مع مرور الوقت.
  • أحد هذه المبادئ هو “الاتفاق الأولي”، وهو أن يشرع أحد أعضاء الشبكة بإنتاج حل بناءً على نقاش مع الأخرين وتقديم حل سريع للمشكلة التي يحاولون حلها. فلا يتم مثلاً عمل دراسات مطولة وتصويت واتفاق للجميع، بل يقدم أحدهم حلاً بسيطاً يتم اختباره وتطويره مع الوقت. ولأنها شبكة مفتوحة، فإن هناك فرصة لتجربة عدد من الحلول في نفس الوقت.
  • قوة السحب (The Power of Pull). هذه فكرة يراها جوي مناسبة لمدراء الشركات، تكمن في أن لا يحتفظ الشخص بكل الموارد التي قد يحتاجها في كل الأوقات، بل أن يقوم بسحبها فقط عندما يحتاجها. كتاب The Power of Pull يوضح هذه الفكرة بشكل أوضح.
  • الشبكات المفتوحة تمكن أشكال من التعاون لم تكن ممكنة من قبل. أحد أشكال هذا التعاون هو مشروع GenBank الذي يدرس البروتينات ويتيح للجميع المشاركة في هذا البحث والتعاون على انجاز جزئياته المختلفة.
  • يدير جوي مختبر MIT Media Lab، وهو مختبر فائق الإبداع ييندرج تحته كل ما لا يندرج تحت الأقسام الأخرى في الجامعة. فيه مرونة كبيرة في طريقة الحصول على الشهادات حيث أنه لا يقتضي دراسة منهج معين. بل يقوم الطالب بأبحاث واختبارات وتجارب تحت اشراف احد أعضاء هيئة التدريس في اي مجال.

———————————–

من طموحات غير منطقية إلى آثار عميقة – From Unreasonable Aspirations To Deep Impact
اندرو زولي – Andrew Zolli

  • “نحن نشكل العالم بالأسئلة التي نطرحها” – جون ويلر.
  • “الموجات السائدة السريعة تأخذ أكبر قدر من الاهتمام. الموجات السائدة البطيئة لديها أكبر قدر من القوة والتأثير”
  • نحن في زمن مختلف عن كل الأزمان السابقة من ناحية ارتباط المجتمع العالمي ببعضه وامتداد التأثيرات في مختلف المجالات ببعض. ضرب أندرو هنا مثلاً بمظاهرات حصلت في المكسيك احتجاجاً على ارتفاع سعر الذرة ثلاثمئة في المئة. لماذا ارتفع سعرها بهذا القدر؟ بسبب تسلسل الأحداث التالي على مر السنة ونصف السابقة للمظاهرات:
    - اجتاح اعصار كاترينا الساحل الامريكي الجنوبي الشرقي .
    - أدى ذلك إلى توقيف عمل مصافي البترول الأمريكية التي يقع الكثير منها في تلك المنطقة.
    - أدى نقص الوقود الناتج عن اغلاق المصافي إلى زيادة الطلب على الإيثانول، وقود بديل يصنع من الذرة.
    -دفع ذلك المزارعين إلى تحويل زراعتهم من الذرة القابلة للأكل إلى الذرة القابلة للتحويل إلى وقود لتغطية الطلب المتزايد عليه.
    - أدى ذلك إلى قلة الذرة القابلة للأكل وارتفاع سعرها كونها أحد الأغذية الأساسية في المكسيك.

    تسلسل الأحداث هذا هو مثال رائع على الترابط وعمق التأثيرات لأنه يجمع بين عناصر المناخ، والطاقة، والأمن الغذائي، والتكوين السكاني، والتمويل، والتجارة، والسياسة، والفقر.

———————————–

كانت هناك كلمات أخرى مميزة أتمنى أن ينشرها المعهد قريباً.

بداية المعهد واعدة وفريقه الإداري يحوي خبرات عريقة وعالمية. أتمنى ن ينجح في تحقيق أهدافه وأن يلقى التجاوب المطلوب من المشرعين والمستثمرين والداعمين. أهني د. حياة على بداية تحويل حلم حياتها إلى واقع. ونحن بانتظار مخرجات هذا المعهد بشوق.

السؤال الأخير

September 28th, 2012

هذه هي ترجمتي لقصة The Last Question لإسحاق أزيموف، أحد أعظم كتاب الخيال العلمي. كانت هذه هي القصة المفضلة لديه من بين كل القصص القصيرة التي كتبها. قام بحفظ حقوق القصة لأول مرة في عام 1956. هذا هو النص الأصلي الذي قمت بترجمته. مصدر الصورة.

————————————–

طرح السؤال الأخير لأول مرة في 21 مايو 2061، في زمن أخذت فيه البشرية أول خطواتها إلى النور. جاء السؤال كنتيجة لرهان بقيمة خمس دولارات بين صديقين يتسامران، تم ذلك بهذا الشكل:

ابراهيم عادل وبدر عامر كانا اثنين من العاملين على العناية بـ “ملتيفاك”. كانا يعرفان الكثير عن الكمبيوتر الضخم الذي يمتد لكيلومترات عديدة، بأضواءه وأصوات النقرات التي تنتج عنه. كان عندهم على الأقل تصور عام عن الدوائر الكهربائية التي زاد تعقيدها عن أن يستطيع شخص واحد فهمها بالكامل.

“ملتيفاك” كان قادراً على تعديل نفسه وتصحيح أخطائه. كان ذلك ضرورياً لأنه لم يكن بوسع أي انسان أن يعدله أو يصححه بالسرعة الكافية أو بالدقة الكافية. لذلك كان اعتناء ابراهيم وبدر به سطحياً وظاهرياً فقط، لأن هذا هو أكبر قدر يمكن لبشري أن يقدمه. كانا يغذيانه بالبيانات، وكانا يعدلان الأسئلة وفقاً لاحتياجاته، وكانا يترجمان الأجوبة التي يصدرها.

على مر العقود ساهم “ملتيفاك” في تصميم السفن الفضائية، وساهم برسم الطرق التي مكنت البشر من الوصول إلى القمر، والى المريخ، والى الزهرة، ولكن مصادر الأرض الطبيعية كانت أقل من أن تمكن السفن من السفر لأبعد من ذلك. الرحلات الطويلة كانت تحتاج إلى الكثير الكثير من الطاقة. ومع أن الأرض زادت كفاءتها في انتاج الطاقة باستخدام الفحم واليورانيوم، إلا أن كلا الاثنين كانت كمياتهما محدودة.

ولكن شيئاً فشيئاً تعلم “ملتيفاك” ما فيه الكفاية للإجابة عن أسئلة أعمق بأجوبة أدق. وفي 14 مايو 2061 تحول الذي كان مجرد نظرية إلى واقعٍ فعلي.

تم بنجاح تخزين طاقة الشمس وتحويلها واستخدامها بشكل مباشر على امتداد الكوكب. كل الأرض توقفت عن احراق الفحم، وعن شطر اليورانيوم، وضغطت زر التشغيل الذي ربط جميع أنحائها بمحطة صغيرة قطرها كيلومتر واحد تدور حول الأرض على بعد نصف المسافة إلى القمر. كل الأرض كانت تعمل بواسطة أشعة خفية من الطاقة الشمسية.

سبعة أيام لم تكن فترة كافية ليعتاد الناس على مجد هذا الإنجاز العظيم. واستطاع ابراهيم وبدر التهرب من عملهم الذي يقتضي مقابلة الناس، وتقابلا بهدوء في مكان لن يبحث أحد عنهما فيه، تقابلا في الغرف المهجورة تحت الأرض. هناك حيث بدت ظاهرة بعض أجزاء الجسم الهائل لـ “ملتيفاك”. كان لوحده هناك، يرتب البيانات مع أصوات نقراته المتكاسلة. حتى “ملتيفاك” كان يستحق فترة من الراحة. كان الشباب يحسان بذلك ايضاً، ولم تكن لديهم نية لازعاجه أصلاً.

أحضرا ابريقاً من الشاي معهما. كان همهما الوحيد هو الاسترخاء معاً ومع الابريق.

قال ابراهيم “انه مذهل اذا فكرت فيه”. وجهه العريض كان يحمل خطوطاً من الإرهاق. وكان يحرك الملعقة في كوب الشاي ويشاهد حبيبات السكر تدور وتبدأ في الذوبان. واصل حديثه “كل الطاقة التي قد نحتاج الى استخدامها الى الابد، مجاناً. طاقة كافية لنا لنصهر الأرض إلى قطرة من المعدن السائل، اذا اردنا، ولا يكلفنا ذلك من الطاقة الا القليل. كل الطاقة التي قد نحتاجها إلى أبد الآبدين”.

أدار بدر وجهه إلى الجنب قليلاً، كان يفعل ذلك اذا اراد ان يقول رأياً مخالفاً لمن أمامه، وأراد فعل ذلك الان. قال “ليس إلى الأبد”.

قال ابراهيم “يعني، تقريباً إلى الأبد. الى أن تنطفئ الشمس”

قال بدر “ذلك ليس للأبد”

قال ابراهيم “حسناً. مليارات ومليارات السنين. عشرة مليارات سنة. هل أنت راض الآن؟”

وضع بدر يده خلال شعره الخفيف وكأنه يطمأن أنه لم يفقده كله، احتسى رشفة من كوبه وقال “عشرة مليارات سنة ليس إلى الأبد”

قال ابراهيم “ولكنه سيستمر طوال حياتنا، أليس كذلك؟”

قال بدر “كذلك كان الفحم واليورانيوم”

قال ابراهيم “حسناً، ولكننا الان نستطيع أن نوصل كل سفينة فضائية بالمحطة الشمسية، وستستطيع الذهاب إلى بلوتو والعودة مليون مرة دون أن تحمل هم الوقود. لا تستطيع فعل ذلك مع الفحم واليورانيوم. اسأل ملتيفاك اذا كنت لا تصدقني”

قال بدر “لا أحتاج أن أسأل ملتيفاك عن ذلك. أعرف ذلك”

قال ابراهيم “اذاً توقف عن تقليل أهمية ما فعله ملتيفاك لنا. لقد فعل الكثير”

قال بدر “من قال أنه لم يفعل؟ الذي قلته هو أن الشمس لن تدوم إلى الأبد. هذا كل ما أقول. نحن في امان لعشرة مليارات سنة، لكن ماذا بعد ذلك؟” ثم أشار باصبعه إلى ابراهيم مكملاً “ولا تقل أننا سننتقل إلى شمس أخرى”

مرت لحظات من الصمت. كان ابراهيم يرتشف كوبه ببطئ. أغلق بدر عينيه ليريحهما قليلاً.

ثم فتح بدر عينيه بسرعة قائلاً “أنت تفكر في أن ننتقل إلى شمس أخرى عندما تنظفئ شمسنا، أليس كذلك؟”

قال ابراهيم “أنا لا افكر بأي شيء”

قال بدر “بالتأكيد أنت تفكر. أنت ضعيف في المنطق. تلك هي مشكلتك. أنت مثل الشخص الذي في القصة الذي فاجئه هطول المطر فركض إلى مجموعة من الأشجار ووقف تحت احداها. لم يقلق كما ترى لأنه كان يظن أنه اذا تمكن البلل من شجرة واحدة أنه سنتقل إلى أسفل شجرة أخرى”

قال ابراهيم “أفهم ما تقول، لا تحتاج إلى الصراخ. اذا انطفأت الشمس فستكون النجوم الأخرى قد ولت أيضاً”

تمتم بدر “بالتأكيد ستكون ولت. الكل بدأ في الانفجار الكوني الاول، بغض النظر عن ماهيته. والكل سينتهي عندما تنطفئ كل النجوم. بعضها يحترق بسرعة أكبر من بعض. بحق الجحيم، بعضها لن يستمر لمئة مليون سنة. الشمس ستعيش لعشرة مليارات سنة وربما غيرها سيستمر لمئتي مليار سنة. ولكن أعطنا فقط ترليون سنة وسيصبح كل شيء مظلماً. الإنتروبيا ستسمر بالزيادة إلى الحد الأقصى، هذا كل ما في الأمر”.

قال ابراهيم “اعرف عن الإنتروبيا”

قال بدر “أشك في ذلك”

قال ابراهيم ” أعلم أكثر مما تعلم أنت!”

قال بدر “اذاً تعرف أن كل شيء يفسد يوماً ما”

قال ابراهيم “حسناً، من قال عكس ذلك؟”

قال بدر “أنت قلت ذلك أيها الساذج المسكين. قلت أن لدينا كل الطاقة التي سنحتاجها إلى الأبد. أنت قلت الى الأبد”

كان دور ابراهيم في أن يقول رأياً معاكساً “ربما نستطيع اعادة بناء الأشياء في وقت لاحق”

قال بدر “مستحيل”

قال ابراهيم “لماذا لا؟ يوماً ما”

قال بدر “مستحيل”

قال ابراهيم “اسأل ملتيفاك”

قال بدر “أنت اسأل ملتيفاك. أراهنك بخمسة دولارات على انه غير ممكن”

كان ابراهيم ضجراً بمافيه الكفاية لأن يطرح السؤال. قام بصف الرموز والعمليات إلى سؤال: هل ستتمكن البشرية يوماً ما أن تعيد للشمس حيويتها الكاملة حتى بعد أن تموت بسبب كبر السن؟

وربما كان يمكن كتابة السؤال بشكل أبسط في هذه الصيغة: كيف يمكن تقليل إجمالي الإنتروبيا في الكون بشكل ضخم؟

توقف ملتيفاك في صمت كامل. لوحات الأنوار على واجهته انطفأت بالكامل. صوت النقرات البعيدة خفت وأصبح لا يسمع.

ثم، وفي ذات اللحظة التي اعتقد فيها العاملان المرعوبان أنهما لا يستطعيان حبس أنفاسهما أكثر، دبت الحياة في الطابعة المتصلة بملتيفاك. ثمانية كلمات كتبت عليها:

“بيانات غير كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

قال بدر “خسرتَ الرهان” ثم غادرا المكان بعجلة.

في الصباح التالي نسي الاثنان القصة كلها.

———————————

كان جارود، وجارودة، وجويردة 1 وجويردة 2 يشاهدون صور النجوم على الشاشة تتبدل أثناء مرورهم بالفضاء الاخر الذي سمح لهم بالسفر لمسافة هائلة دون مرور اي وقت. في لحظة بدا ظاهراً من بين النجوم المتناثرة وجود قرص مشع من بينها. كان في منتصف الشاشة وحجمه على الشاشة كحجم حبة عنب.

قال جارود بثقة “هذا هو اكس-23″ كانت يداه متماسكتين خلف ظهره.

كانت هذه هي أول مرة تمر الجويريدتين الصغيرتين، ابنتيه، بتجربة الانتقال عبر الفضاء الآخر في حياتهما وكان يروادهما شيء من القلق حول الاحساس الغريب الذي بعثه الانتقال في جسميهما. كتما الضحك وبدءا بالركض حول والدتهما وهن يصرخن “وصلنا إلى اكس-23 — وصلنا إلى اكس-23 — وصلنا”

قاطعتهما جارودة قائلة بحزم “الزما الهدوء با بنات. هل أنت متأكد يا جارود؟”

أجاب جارود “مالذي يحتاج أن نكون متأكدين منه”. كان ينظر إلى البروز المعدني على السقف. كان يمتد على طول الغرفة وينتهي عند الجدار المقابل. كان طوله مساوياً لطول السفينة الفضائية.

لم يكن جارود يعرف الكثير عن العمود المعدني ما عدا أنه اسمه هو “مايكروفاك”. وأنه بإمكانك أن تطرح عليه بعض الأسئلة إذا أردت. واذا لم تسأله عن شيء، فإنه يظل مسؤولاً عن قيادة السفينة إلى المكان المحدد سابقاً. كما أنه كان يغذي السفينة بالطاقة من مجموعة من محطات الطاقة المجرية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه مسؤول عن تنفيذ العمليات الحسابية المتعلقة بالقفز عبر الكون الآخر.

كل ما كان على جارود وعائلته فعله هو أن ينتظروا ويعيشوا في الغرف المريحة على متن السفينة. تذكر جارود أن أحد الناس قال له أحد الأيام أن الـ “اك” في اخر “مايكروفاك” كانت تعني “اوتوماتيك كمبيوتر”، أو “الحاسب الآلي” باللغة الانجليزية الأثرية، ولكن حتى هذه المعلومة كاد ينساها.

اغرورقت عينا جارودة وهي تطالع النافذة قائلة “إنه احساس غريب أن نغادر الأرض”.

قال جارود “ولماذا بالله عليك؟ لم يكن لدينا أي شيء هنا. سيكون لنا كل شيء على اكس-23. لن تكوني لوحدك. لن تكوني رائدة. هناك أكثر من مليون شخص على ذلك الكوكب الآن. يا الهي، حتى أحفاد أحفادنا سيحتاجون إلى البحث عن كواكب أخرى لأن اكس-23 سيكون مزدحماً”. توقف لوهلة ثم أكمل قائلاً “صدقيني، نحن محظوظين أن الحواسب قامت بحساب الطرق اللازمة للسفر بين النجوم. كانت البشرية في أشد الحاجة إلى ذلك.

قالت جارودة وهي مبتأسة “أعلم ذلك. أعلم.”

قالت جويردة 1 “مايكروفاك الذي نملكه هو أفضل مايكروفاك في العالم!”

قال جارود وهو يداعب شعرها “أتفق معك في ذلك”

كان شعوراً جيداً أن تمتلك مايكروفاك خاص بك وهذا كان أحد الأسباب التي جعلت جارود مسروراً أنه ينتمي إلى هذا الجيل بالتحديد. في شباب والده، الحواسيب الوحيدة الموجودة كانت أجهزة ضخمة تشغل مساحات مئات الكيلومترات. كان هناك واحد منها فقط لكل كوكب. كانوا يسمونها الحواسيب الكوكبية. ظلت تنمو في الحجم لألف سنة ثم بدأت تتحسن بسرعة. بدلاً من الترانزيستورات، جائت الصمامات الجزيئية التي مكنت حتى أكبر الحواسيب الكوكبية أن يشغل مكان مساوي لنصف سفينة فضائية فقط.

أحس جارود بالسعادة كالعادة عندما يتذكر أن مايكروفاك الذي يمتلكه أكثر تعقيداً بكثير من ملتيفاك الأثري البدائي الذي استطاع ترويض الشمس. بالإضافة إلى أنه معقد إلى درجة قريبة من الحاسب الكوكبي الأرضي — الأكبر حجماً — والذي حل لأول مرة مشكلة السفر عبر الأبعاد الكونية مما مكن السفر عبر النجوم.

قالت جارودة وهي مستغرقة في التفكير “العديد من النجوم، العديد من الكواكب. أتصور أن العوائل ستسافر إلى كواكب جديدة إلى الأبد، كما نفعل نحن الآن تماماً”

قال جارود مبتسماً “ليس إلى الأبد. كل شيء سينتهي يوماً ما، ولكن بعد مليارات السنين. مليارات عديدة. حتى النجوم ستنطفئ. الإنتروبيا ستستمر في الزيادة”

قالت جويردة 2 “ماهي الإنتروبيا يا أبي؟”

أجاب جارود “الإنتروبيا يا بنيتي الجميلة هي مجرد كلمة تعني كمية تهالك الكون. كل شيء يتهالك، كما تعلمين. تماماً مثل روبوتك القادر على الحديث، أتذكرينه؟”

قالت جويردة 2 “ألا تستطيع أن تضع وحدة-طاقة جديدة كما فعلت مع روبوتي؟”

قال جارود “النجوم هي وحدات الطاقة يا بنيتي. عندما تذهب، لن يكون هناك أي وحدات طاقة متبقية”

قالت جويردة 1 وهي تبكي “لا تسمح لها يا أبي، لا تسمح للنجوم أن تهلك”

قالت جارودة بغضب “انطر ماذا فعلت الان!”

همس جارود “كيف كنت سأعرف أن ذلك سيخيفهم؟”

قالت جويردة 1 “أطلب من مايكروفاك. اطلب منه أن يعيد تشغيل النجوم من جديد”

قالت جارودة “هيا، افعل ذلك. لعله يهدئهم قليلاً”. حتى جويردة 2 بدأت بالبكاء الآن.

هز جارود كتفيه قائلاً “حسناً يا صغيرتي، سأطلب من مايكروفاك. لا تخافي، سيخبرنا”

طلب ذلك من مايكروفاك. ثم أردف “اطبع النتيجة”

أمسك جارود الورقة الصغيرة التي طبعها مايكروفاك وقال “أرأيتم؟ مايكروفاك يقول أنه سيعتني بكل شيء اذا حان الأوان. لا تقلقن”

قالت جارودة “هيا يا صغيراتي، انه وقت نومكما. قريباً سنكون في منزلنا الجديد”

قرأ جارود الكلمات المطبوعة على الورقة مرة أخرى قبل أن يمزقها: “بيانات غير كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

هز كتفيه وتطلع عبر النافذة إلى اكس-23 الذي أصبح قريباً منهم الآن.

————————-
حدق “ف.ج.23س اللامثي” الى الأعماق السوداء من الخريطة الصغيرة ثلاثية الأبعاد للمجرة وقال “هل نحن تافهين لأننا نهتم بالموضوع إلى هذه الدرجة؟”

أجابه “م.ك.17ج النيكروني” بهزة من رأسه “لا أظن. تعرف أن المجرة ستمتلئ بعد خمس سنين اذا استمر معدل التوسع هذا”

بدا الاثنان في مطلع العشرينات من العمر، كليهما كان طويلاً وبأجسام رشيقة.

قال ف.ج.23س “لكن مع ذلك، أنا متردد بشأن إرسال تقرير متشائم إلى لجنة إدارة المجرة”

قال م.ك.17ج “ذلك هو أفضل نوع من التقارير في مثل هذا الموقف. اجعلهم يحسون بأهمية الموضوع. مهم أن تفعل ذلك”

تنهد ف.ج.23س قائلاً “الفضاء ممتد إلى المالانهاية. هناك مئة مليار مجرة نستطيع التوسع إليها. وأكثر!”

قال م.ك.17ج “مئة مليار ليست مالانهاية، بل هي تستمر في التناقص. تأمل.. قبل عشرين ألف سنة حلت البشرية مشكلة استعمال الطاقة الشمسية. وبعدها بمئات السنين، أصبح السفر بين النجوم ممكناً. احتاجت البشرية إلى مليون سنة لكي تملأ كوكباً واحداً صغيراً ثم فقط إلى خمسة عشر ألف سنة لملئ كامل المجرة. والان يتضاعف عدد السكان كل عشر سنين-”

قاطعه ف.ج.23س “كل ذلك بسبب الخلود..”

قال م.ك.17ج “لا بأس، الخلود موجود ونحتاج إلى أخذه بالإعتبار. وأعترف أن الخلود له جوانب وآثار كريهة. استطاع الحاسب المجري حل الكثير من المشاكل لنا، لكنه لما حل مشكلة الهرم والموت سبب الكثير من المشاكل الأخرى”

قال ف.ج.23س “تقول ذلك لكنك تظل متمسكاً بحياتك”

قال م.ك.17ج “بالتأكيد. ليس الآن على الأقل. لا أزال صغيراً في السن. كم عمرك أنت؟”

قال ف.ج.23س ” مئتان وثلاثة وعشرون. وأنت؟”

قال م.ك.17ج “أنا لا أزال أصغر من مئتين. لكن دعني أعود إلى نقطتي. عدد السكان يتضاعف كل عشرة سنين. عندما تمتلئ هذه المجرة، سنملأ أخرى مثلها خلال عشرة سنين. عشرة سنين بعد ذلك وسنملأ اثنتين اضافيتين. بعد عقد، أربع إضافية. بعد مئة سنة سنكون ملأنا ألف مجرة. بعد ألف سنة، مليون مجرة. بعد عشرة الاف سنة، كل الكون الذي نعرفه. ثم ماذا؟”

قال ف.ج.23س “أضف إلى ذلك مشكلة المواصلات. أتسائل يا ترى طاقة كم شمس سنحتاج لكي ننقل هذه الأعداد الهائلة من البشر من مجرة إلى أخرى”

قال م.ك.17ج “نقطة رائعة فعلاً. حالياً، يستعمل البشر طاقة شمسين كل سنة”

قال ف.ج.23س “الكثير من الطاقة يذهب سدى. لا تنسى أن مجرتنا لوحدها تشع طاقة ألف شمس كل سنة، بينما نستخدم نحن اثنتين فقط”

قال م.ك.17ج “هذا صحيح، ولكن حتى مع كفائة مثالية، نحن فقط نؤجل النهاية. احتياجاتنا إلى الطاقة تزيد في متوالية هندسية أسرع حتى من نسبة زيادة أعدادنا. ستنفذ الطاقة التي لدينا قبل حتى أن نشغل كل المجرات. نقطة جيدة. نقطة ممتازة”

قال ف.ج.23س “سنحتاج أن نبني نجوماً جديدة باستخدام الغاز بين النجوم”

أجاب م.ك.17ج متهكماً “أو باستخدام الحرارة المتناثرة”

قال ف.ج.23س “قد تكون هناك طريقة نستطيع من خلالها عكس أثار الإنتروبيا. نحتاج أن نسأل الحاسب المجري”

لم يكن ف.ج.-23س جاداً، ولكن م.ك.17ج أخرج وحدة اتصاله بالحاسب المجري ووضعها على الطاولة أمامه.

قال م.ك.17ج “أفكر في أن أسأله ذلك بالفعل. انه شيء سيحتاج البشر مواجهته يوماً ما”

حدق بتأمل في وحدة الإتصال. كانت مكعباً عرضه خمسة سنتيمترات وليست شيئاً لوحدها، بل كانت متصلة عبر الفضاء الآخر إلى الحاسب المجري العظيم الذي يخدم كل البشرية.

توقف م.ك.17ج للحظة ليتسائل اذا كانت ستأتيه الفرصة في حياته الخالدة لرؤية الحاسب المجري. كان على كوكب لوحده، شبكة عنكبوتيه من الأذرعة التي تحمل المادة بداخله والتي احتلت فيها أمواج الميزونات محل الصمامات الجزيئية الأثرية.

فجأة سأل م.ك.17ج وحدة اتصاله “هل سيمكن عكس تأثير الإنتروبيا؟”

قال ف.ج.23س وهو متفاجئ “لم أكن جاداً عندما قلت لك أن تسأله!”

قال م.ك.17ج “لماذا؟”

قال ف.ج.23س “كلانا نعرف أن الإنتروبيا لا يمكن عكس اثارها. لا تستطيع أن تحول الرماد والدخان إلى شجرة”

قال م.ك.17ج “هل لديكم أشجار على كوكبكم؟”

أذهلهم صوت الحاسب المجري وأجبرهم على السكوت. كان صوته جميلاً ورقيقاً وهو ينبثق من وحدة الإتصال على الطاولة. قال: “بيانات غير كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

قال ف.ج.23س “أرأيت؟”

عاد الرجلين إلى مناقشة التقرير الذي سيرفعانه إلى لجنة إدارة المجرة.

—————————-

انتشر عقل ياء-الرئيسي على امتداد المجرة الجديدة باهتمامٍ باهت للنجوم التي تناثرت في أرجائها. لم يرى هذه بعينها من قبل. هل سيستطيع أن يراهن كلهن يوماً ما؟ هناك الكثير منهن، وكل واحدة محملة بالبشر، ولكنه كان حمل بدون وزن تقريباً. شيئاً فشيئاً أصبح جوهر كل انسان هنا، في الفضاء.

عقول، وليس أجساد! الأجساد الخالدة ظلت هناك على الكواكب، محفوظة على مر الدهور. كانت أحياناً تستسيقظ لأداء أنشطة مادية، ولكن هذا أصبح من النادر الآن. القليل من الأشخاص الجدد أصبحوا ينضمون إلى الحشد العظيم. ولكن لا بأس بذلك لأن الكون ضاق بمن فيه الآن.

استيقظ ياء-الرئيسي من استغراقه الحالم عندما مر بالأغصان الناعمة لعقل آخر.

قال ياء-الرئيسي “أنا ياء-الرئيسي، من انت؟”

أتته الإجابة “أنا دال ساب وان. من أي مجرة أنت؟”

قال ياء-الرئيسي “نسميها المجرة، ليس لنا اسم آخر لها. ماذا عنك؟”

قال دال ساب وان “نحن كذلك. كل البشر يدعون مجراتهم ‘المجرة’ ولا يعطونها أسماء مميزة. لماذا يا ترى؟”

قال ياء-الرئيسي “صحيح، ذلك لأن كل المجرات مشابهة لبعض”

“ليست كل المجرات كذلك. أحدها هي التي جائت منها الفصيلة البشرية. ذلك يجعلها مختلفة”

قال ياء-الرئيسي “أي واحدة تلك؟”

“لا أعرف للأسف. لكن الحاسب الكوني سيعرف”

“ما رأيك أن نسأله؟ أحس بالفضول الآن”

توسع إدراك ياء-الرئيسي حتى تقزمت المجرات وأصبحت هي الآن متناثرة على خلفية أكبر بكثير. مئات المليارات منها، كل منها مع مخلوقاتها الخالدة، كل منها حاملة حملها من العقول التي تتجول بحرية عبر الفضاء. ولكن مع ذلك كانت واحدة منها فريدة بكونها المجرة الأصلية. واحدة منها كان في تاريخها القديم حقبة كانت فيها المجرة الوحيدة التي يسكنها البشر.

تمكن الفضول من ياء-الرئيسي وأراد أن يرى هذه المجرة. صاح قائلاً “أيها الحاسب الكوني، على أي مجرة بدأت الإنسانية؟”

سمع الحاسب الكوني سؤاله، حيث كان له حساسات على كل كوكب وعلى امتداد الفضاء. وكل حساس كان متصلاً عبر الفضاء الآخر إلى نقطة غير معروفة. النقطة التي كان فيها الحاسب الكوني.

لم يعرف ياء-الرئيسي الا عن رجلٍ واحد امتدت افكاره الى أماكن قريبة من الحاسب الكوني. وصفه بأنه كرة مضيئة قطرها نصف متر.

كان ياء-الرئيسي قد سأله “كيف يمكن أن يكون ذلك هو الحاسب الكوني كله؟”

كانت الإجابة “أغلبه منتشر في الفضاء الآخر، لا يمكنني تخيل الهيئة التي هو عليها هناك”

ولم يكن لأي أحد القدرة لتخيل تلك الهيئة لأنه قد مر زمن طويل جداً على تدخل أي بشري في صنع الحاسب الكوني. كل حاسب كوني صمم الحاسب الذي يتبعه. كل منها، خلال حياته التي امتدت مليون سنة أو اكثر قام بجمع البيانات اللازمة لبناء خليفة أفضل وأكثر تعقيداً وتطوراً وقدرةً. ومن ثم قام بدمج نفسه وبياناته في الخليفة الذي بناه.

قاطع الحاسب الكوني حبل أفكار ياء-الرئيسي ولكن ليس بكلمات، بل بهداية. كان إدراك ياء-الرئيسي يقاد عبر الكون إلى مجرة واحدة بعينها. كبرت وبانت نجومها.

أتت فكرة من بعيد، من أقاصي البعد، ولكنها تامة الوضوح “هذه هي مجرة البشر الأصلية”.

ولكنها مع ذلك كانت مماثلة للبقية. أخفى ياء-الرئيسي خيبة أمله.

قال دي ساب وان الذي كان يرافقهم “وأي هذه النجوم هي النجمة الأصلية للبشر؟”

أجاب الحاسب الكوني “نجمة البشر الأصلية استعرت. هي الآن نجم قزم أبيض”

سأله ياء-الرئيسي “هل مات من عندها من البشر؟”

أجاب الحاسب الكوني “كما هو الوضع في هذه الحالات، تم بناء كوكب اخر ونقلت أجسادهم إليه في الوقت المناسب”

قال ياء-الرئيسي “نعم بالتأكيد”. راوده احساس عميق بالفقدان. ترك عقله مجرة البشر الأصلية. تركها لتعود الى مكانها بين النقاط المتلألئة. لم يعد يود أن يراها ثانيةً.

سأله دي ساب وان “ماذا بك؟”

“النجوم تموت. النجمة الأصلية ماتت”

“كلهم سيموتون. لماذا لا؟”

“ولكن عندما تنفذ الطاقة، ستفنى أجسادنا أخيراً، وسأفنى أنا وأنت كذلك”

“سيأخذ ذلك مليارات السنين”

“لا أود أن يحدث ذلك حتى بعد مليارات السنين. أيها الحاسب الكوني، كيف نستطيع أن نمنع النجوم من الموت؟”

قال دي ساب ون “أنت تسأل كيف يمكن عكس اتجاه الإنتروبيا”

أجاب الحاسب الكوني “لا توجد إلى الان بيانات كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

عادت أفكار ياء-الرئيسي إلى مجرته. لم يعد يعير دي ساب وان أياً من اهتمامه، هو وجسمه الذي ربما كان ينتظر على مجرة تبعد ترليون سنة ضوئية، أو حتى على نجمة مجاورة لنجمة ياء-الرئيسي. لم يعد الأمر مهماً.

بدأ ياء-الرئيسي والتعاسة تملؤه بجمع الهيدروجين المتناثر بين النجوم في محاولة ليناء نجمة بنفسه. اذا كانت النجوم ستموت يوماً ما، على الأقل لا زال من الممكن بناء بعضها.

—————-

فكر الإنسان مع نفسه لأن الإنسان الان أصبح، نوعاً ما، واحداً. كان يتكون من ترليون ترليون ترليون جسم بلا عمر. كل منها في مكانه. كل منها يرقد صامتاً ومحفوظاً، كل منها تعتني به أجهزة متكاملة محفوظة. وفي ذات الوقت ذابت عقول كل الأجسام في بعضها البعض دون تمييز.

قال الإنسان “الكون يموت”

نظر الانسان الى المجرات الخافتة. تلاشت النجوم الضخمة منذ زمن طويل. كل النجوم أصبحت الان أقزاماً بيضاء تتلاشى إلى النهاية.

تم بناء نجوم جديدة من الهيدروجين الذي بين النجوم. بعضها تكون طبيعياً وبعضها بناه الإنسان بنفسه. ولكن حتى هذه النجوم بدأت بالتلاشي. كان بالإمكان دمج الأقزام البيضاء مع بعضها البعض وتكوين قوى جديدة هائلة. ولكن يتطلب ذلك دمج ألف قزم أبيض لإنتاج نجمة واحدة جديدة. ولكن حتى هذه ستتلاشى وتذهب إلى العدم.

قال الإنسان “إذا قمنا بإدارتها بحذر، كما يوجه الحاسب الأكوني، فسيمكن للطاقة الباقية في الكون أن تستمر لمليارات السنين”

“ولكن حتى مع ذلك، مع الوقت ستأتي النهاية. مهما تمت ادارتها، الطاقة المستعملة ستذهب ولن يمكن اعادتها. الإنتروبيا ستستمر إلى الأبد في الزيادة إلى أن تصل إلى أقصى حد”

قال الإنسان “هل يمكن أن نعكس مفعول الأنتروبيا؟ فلنسأل الحاسب الأكواني”

كان الحاسب الأكواني محيطاً بهم ولكن ليس مكانياً. لم يكن له أي وجود مكاني. كان في الفضاء الآخر وكان يتكون من شيءٍ ليس بمادة ولا بطاقة. السؤال عن حجمه وطبيعته لم يعد سؤالاً ذا معنى يستطيع الانسان أن يفهمه.

قال الانسان “ايها الحاسب الأكواني، كيف يمكن قلب الأنتروبيا؟”

قال الحاسب الأكواني “لا توجد إلى الان بيانات كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

قال الإنسان “اجمع المزيد من البيانات”

قال الحاسب الأكواني ” سأفعل. إني أفعل ذلك لمئة مليار سنة. انا وكل من سبقني تلقينا هذا السؤال مرات عديدة. كل البيانات التي لدي لا تزال غير كافية”

قال الانسان “هل سيأتي وقت تكون فيه البيانات كافية؟ أم أن هذه مشكلة لا يمكن حلها تحت أي ظروف معقولة؟”

أجاب الحاسب الأكواني “لا توجد أي مشكلة لا يمكن حلها تحت أي ظروف معقولة”

قال الانسان “متى سيكون لديك بيانات كافية لإجابة هذا السؤال؟”

أجاب الحاسب الأكواني “لا توجد إلى الان بيانات كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

قال الانسان “هل ستستمر بالعمل على ذلك؟”

أجاب الحاسب الأكواني “سأفعل”

قال الانسان “اذاً سننتظر”

—————–

ماتت النجوم والمجرات وتبعثر رمادها، وأمسى الكون كالح السواد بعد عشرة تريليونات سنة من التهالك.

واحداً تلو الآخر، انصهر الانسان مع الحاسب. فقد كل جسد هويته العقلانية بطريقة كانت مكسباً وليس خسارة.

توقف اخر عقول الانسان قبل الانصهار، متأملاً كوناً لم يحتوي إلا على رواسب نجم مظلم أخير ولاشيء سواه غير المادة متناهية الرقة. تثار عشوائياً باخر ما تبقى من الحرارة التي تهلك بذاتها بسرعة إلى أن تصل إلى الصفر المطلق.

قال الانسان “ايها الحاسب، هل هذه هي النهاية؟ ألا يمكن أن تعاد هذه الفوضى إلى كون من جديد؟ ألا يمكن فعل ذلك؟”

قال الحاسب “لا توجد إلى الان بيانات كافية للوصول إلى اجابة ذات معنى”

انصهر اخر عقول الانسان ولم يتبق الا الحاسب — وهو كان في الفضاء الاخر.

—————

انتهت المادة والطاقة، ومعها انتهى المكان والزمان. حتى الحاسب كان باقياً فقط لمحاولة اجابة السؤال الأخير الذي لم يستطع أن يجيب عليه منذ أن سأله اياه عامل صيانة مجهد قبل عشرة ترليونات سنة، مع أنه سأل حاسباً متناهياً في البساطة بالمقارنة مع الحاسب الحالي.

كل الأسئلة الأخرى تمت الاجابة عليها. والى أن تتم الاجابة على هذا السؤال، لم يكن للحاسب أن يفلت ادراكه.

كل البيانات تم جمعها. لم يتبقى أي شيء.

ولكن كل البيانات لم يتم بعد ترتيبها في كل الترتيبات الممكنة.

قضيت فترة غير زمنية في فعل ذلك.

وكان مكتوباً أن الحاسب اكتشف كيف يمكن عكس الإنتروبيا.

ولكن لم يظل هناك أي بشري يستطيع الحاسب أن يعطيه الاجابة. لا بأس. الاجابة ستتكفل بذلك ايضاً.

لفترة أخرى غير زمنية، فكر الحاسب في كيف سيستطيع فعل ذلك. بحذر واهتمام، رتب الحاسب البرنامج.

جمع ادراك الحاسب كل ما كان في الكون وتأمل الفوضى الموجودة أمامه الآن. خطوة بخطوة، يجب أن يتم فعل ذلك.

و قال الحاسب “ليكن نور”

فكان نور –

50 سنة من إستكشاف الفضاء

February 15th, 2012

تعريب بسيط قمت به لرسم بياني رائع يوضح رحلات إستكشاف الفضاء خلال الخمسين عام الماضية

المصدر

قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة

August 12th, 2011

« سلسلة التطور والإسلام

ليس من العدل أن يناقش أحد موضوع التطور، والإسلام، وموضوع الفصائل المشابهة للبشر دون إفراد جزء من الكلام لكتاب “أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة” للدكتور عبدالصبور شاهين، الداعية والمفكر الإسلامي.

عبدالصبور شاهين

لن ألخص الكتاب، فصفحته في ويكيبيديا تفعل ذلك. والكتاب موجود على الشبكة (ملف ورد ، بي دي اف – شكراُ سعود العمر) وهو ليس طويلاً جداً.

الكتاب له فكرة أساسية عن علاقة البشر بالفصائل التي تشبههم، وفيه عدد من النقاط الأخرى حول الموضوع. الكتاب قيم جداً لأنه يعاود زيارة قصة الخلق البشري وينقيها من الكثير مما قد يكون قد لوثها من مصادر غير موثوقة. هذا الجزء من مقدمة الكتاب يوضح هذا المعنى:

قصة الخلق – كما أوردها القرآن الكريم – مليئة بالكثير من الأسرار الخفية ، والمعاني الظاهرة ، وقد تناولها المفسرون والمنصفون من زاوية أو أخرى ، وتشابهت محاولات القدماء ، حين أخذ بعضهم عن بعض ، وحين جاء العصر الحديث بمعطياته الكثيرة في مجالات علم الأرض ( الجيولوجيا ) وعلم الإنسان ( الأنتروبولوجيا ) وعلوم الحياة ، والأحياء ( البيولوجيا ) وغيرها – تغيرت مفاهيم كثيرة ، وصار لزاماً على من يتصدى لكتابة شيء عن هذه القصة أن يأخذ في إعتباره ماكشف عنه العلم الحديث من حقائق نسبية ، وما قال به من نظريات ، حتى لايبدو متخلفاً عن موكب المعرفة المعاصرة ، وذلك على الرغم من أن الذين حاولوا الكتابة في هذه القصة حديثاً تعاملوا معها من منطلق المسلمات القديمة ، أو بمنطق اللا مساس والتوفيق والحذر .

إن هذه القصة كما وردت في القرآن الكريم تحتمل الكثير من التأويلات ، وهي حافلة بالإيماءات والإشارات ذات الدلالة التاريخية والزمنية ، ونحن هنا نستخدم المصطلح ( التاريخ ) بالمفهوم العام ، الذي يشمل كل ما مضى من الزمان ، محدداً كان أو غير محدد ، أي : التاريخ وما قبل التاريخ ، منذ كان الزمان بأمر الله التكويني ( كن ) فكان … ولا معقب ..

إن نظرة القدماء إلى القصة قد تأثرت بالتصور الإسرائيلي لها ، وهو الوارد في سفر التكوين ، [...] [التي] هي ذات طابع أسطوري غالباً ، ولا دليل على خطئها أو صوابها ، سواء في الأسماء أو في الأرقام ، وإن كانت إلى الإحالة وعدم التصديق أقرب .

ولكن الملاحظ أن أصحاب السير قد إعتبروها من المسلمات ، فكرروها دون أدنى مناقشة ، أو حتى توقف.

بغض النظر عن اتفاقنا واختلافنا مع محتويات الكتاب وفكرته الأساسية أو غيرها، إلا أن هناك بعض الشواهد المهمة في سياق هذا الموضوع. والكاتب حصر كل الآيات التي تتحدث عن خلق البشر ودرسها ودرس علاقتها ببعض، ووضع ذلك في ترتيب تاريخ نزولها.

الكتاب أطول مما نستطيع أن نورد هنا، لذلك سأكتفي بإيراد بعض النتائج التي يتحدث عنها دون الكلام عن الأدلة التي قادته إليها، ذلك يمكن أن يرجع له في الكتاب. إذا كنت مهتماً بهذا الموضوع، فأرجوا أن تقرأ الكتاب (لو فقط من باب العلم بالشيء، ليس على سبيل الإيمان بما فيه)، لأن تلخيصي لما سأذكر من أفكاره هنا سيكون قاصراً.

الإنسان يخرج من البشر
جمع الدكتور عبدالصبور كل آيات خلق الإنسان، وأوردها في الكتاب. ثم مشى على شرحها والتعليق عليها حسب ترتيب نزولها ليبنى شيئاً فشيئاً الصورة الكبيرة لخلق الإنسان. ركز الدكتور على الفرق بين الآيات التي تستخدم كلمة “بشر” والآيات التي تحمل كلمة “إنسان”. فوجد أن الآيات التي تحمل كلمة “بشر” تشير إلى الخلق الأول من الطين، بينما التي تشير للـ “إنسان” تشير إلى التكليف، والخلق من نطفة، وغير ذلك، وبعض الآيات ترجع الإنسان إلى أصله، أي البشر.

فهنا يرسم الدكتور عبدالصبور صورة وهي أن الله تعالى خلق البشر وهي كائنات خلقها من طين، تمشي منتصبه على قدمين وليس لها أصل سابق في الأرض (الدكتور عبدالصبور يرفض التطور العام). وأن الإنسان تطور عن هذه الكائنات المشابهة له. وأن البشر هي مرحلة في خلق وتصوير الإنسان.

بغض النظر عن كون هذه الفكرة وهذا الإستنتاج صحيحاً أم لا، إلا أنها مهمة جداً. فهي صورة جديدة لخلق البشر في الفكر الإسلامي تأخذ في الحسبان الفصائل المشابهة للبشر. كما أنها لا تفترض أن آدم خلق لحظياً من العدم، بل عبر إجراء طويل على الأرض أخذ ملايين السنين.

عبدالصبور شاهين

إني جاعل في الأرض خليفة
كيف نستطيع فهم قصة خلق الإنسان في القرآن مع هذا التصور الجديد؟ هذا يوضحه المؤلف:

بدأت علاقة الإنسان بالملائكة على مشارف المرحلة البشرية ، وذلك حين أعلم الله الملائكة أنه خلق أو أنه يريد خلق ( بشر من طين ) ، وإعداداً لهم في مواجهة ما سوف يحدث من متغيرات على ساحة الأرض ، وقد إختارها الله لإيجاد هذه الخليقة البشرية ، بعد أن جعلها مهداً ، وكان البلاغ الإلهي منطوياً على جملة من العناصر المستقبلية إضافة إلى ما كان منجزاً منه .. كان ( خلق البشر ) قد أنجز ، أو هو بسبيله إلى الإنجاز ، وهو دلالة الجملة الأولى : {{ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا }} ، ثم جاءت الأمور المستقبلية في شكل هذا الأسلوب الشرطي : {{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }} ، وكأن الله يريد من الملائكة أن تراقب ما يحدث من تغييرات في أحوال هذا المخلوق الظاهر وصفاته ومقوماته ، حتى يسجدوا له كما أمرهم ، إذعاناً لأمره ، وإعظاماً لروعة إبداعه ، ومضت ملايين السنين ، وطحنت عشرات الألوف من الأجيال ، وربما مئاتها في عملية التسوية والتزويد بالملكات العليا والملائكة تراقب أحوال ذلكم المخلوق وتحركاته ، حتى آن أوان السجود .

كان المدخل إلى معرفتهم بأن السجود قد آن أوانه خطاب الله سبحانه لهم بقوله : {{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً … 30 }} – البقرة . ، وهو خطاب يتضمن إخبارهم بأن التسوية قد تمت ، وقد صار البشر مزوداً بالنفخة من روح الله ، وكان لهذا القول وقع المفاجئة على أسماعهم ، فهم يتابعون منذ ملايين السنين أحوال هذا المخلوق ( البشر ) ، ويعاينون من شئونه ما يحيرهم ، ولذلك بادروا إلى سؤال المولى عز وجل : {{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ … 30 }} – البقرة . ، وكأنهم يقولون لربهم : أهذا هو المخلوق الذي أمرتنا بالسجود له ، حين أخبرتنا بخبره منذ ملايين السنين ؟ لقد راقبنا أحواله منذ ذلك العهد السحيق ، فما رأينا منه غير الإفساد في الأرض ، وسفك الدماء ، وهم يشيرون بذلك إلى السلوكيات الحيوانية التي كان عليها البشر في مختلف مراحل تسويتهم ، حتى إكتمال ملكاتهم بالنفخة الإلهية وثمراتها .

فالقصة التي نفترض (دون أي أدلة) أنها تمت خلال دقائق يبين الدكتور عبدالصبور أن الأقرب أن أحداثها يفصل بينها ملايين السنين. ذلك هو الزمن الذي اقتضته التسوية، والتصوير، ونفخ الروح.

كما يشير هذا التصور إلى أن آدم عليه السلام هو فرد من فصيلة، له أبوين ومتصل بما قبله من الحياة المشابهة له. ولكنه تميز بميزات عرفها الخالق عز وجل ولم تبد ظاهرة للملائكة، فاصطفاه على معاصريه – إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. وخصه بالرسالة وعلمه الأسماء كلها.

بعد ذلك يبدأ الدكتور عبدالصبور في سرد قصة الخلق بتفاصيلها حسب هذا المفهوم.

إبليس والسجود
نقطة غير متصلة بموضوعنا كثيراً، ولكنها من أكثر ما أثار اهتمامي في سرد المؤلف. ذلك هو بعض تأملاته في موقف إبليس.

ويظهر إبليس في مشهد التكليف بالسجود فجأة ، ودون مقدمات ، فلم يرد له ذكر قبل هذا المشهد ، وما كان سوى واحد من ( الجن المنتشرين ) في أرجاء الأرض ، ولعله كان ذا حظوة واقتراب من عالم الملائكة حتى جاء أمر السجود ، وكأنه مقصود به معهم ، والقرآن ينص على ذلك في قوله تعالى : {{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ … 50 }} – الكهف .
[...]
ونحسب أن الأمر لم يكن بالصورة التي يتخيلها العامة من المفسرين ، من مثول الملائكة ومعهم إبليس بين يدي الله ، جل وعلا ، وآدم واقف ينتظر حدوث السجود ، فقد استقر رأينا على أن السجود كان لآدم النبي الذي أختير خليفة ، والذي استهل به عهد الإنسان ، لا لآدم المخلوق ، فإن حدث الخلق كان قد مضت عليه ملايين السنين ، وإن لم يكن فرق بين السـَّنـَةِ والســِّنــةِ ، وعليه ، فإن تكليف الله سبحانه للملائكة بالسجود كان يعني تكليفهم بالأشغال بحفظ ذلك الخليفة النبي ، وذريته إلى يوم القيامة وقد رفض إبليس أن يخضع للأمر الإلهي ، وأن يعمل في خدمة الإنسان كالملائكة ، وبذلك انشق على الأمر الإلهي ، وصار عدواً لآدم وذريته ، كما صار عدواً لله خالقه ، وقد استعلن بهذه العداوة ، فلم يرجع عنها رغم زعمه أنه عبد الله !!

[...]

ولنعد الآن إلى النص الأول من التنزيل ، الذي ذكر هذا المشهد في سورة ( ص ) : {{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ 71 فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ 72 فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 73 إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ 74 قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ 75 قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ 76 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ 77 وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ 78 قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 79 قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ 80 إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ 81 قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82 إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 83 قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ 84 لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ 85 }} – ص .

[...]

ويبدو لنا هذا النص أشبه بتلخيص للحوار ، أو بالأحرى للقصة التي جاءت تفاصيل كثيرة منها في السورة التالية نزولاً ، سورة ( الأعراف ) ، لكن حسبنا الآن هذا الموجز الذي يقتصر على جانب الحوار بين الله وبين المتمرد إبليس .

وفي بداية النظر في مكونات الحوار نؤكد هنا على ضرورة مراعاة المسافة بين ما ينبغي لله من جلال وعظمة وعلو شأن ، وهو سبحانه الخالق الباريء المصور ، وبين إبليس من حيث هو مخلوق يواجه خالقه ، وهو لا يذيد في قدره عن أي مخلوق متمرد على أوامر الخالق ، مُصِرٍّ على معصيته ، سواء أكان من الإنس أم من الجن .. هذا من ناحية ..
ومن ناحية أخرى يجب أن نستبعد الصورة الساذجة التي يتخيلها بعض من تناولوا هذه القصة .. أعني : صورة المواجهة المباشرة في هذا الحوار ، فلا ريب أن الشيطان كان في موقعه من الكون ، لا يستطيع أن يتجاوز قدره ، فيتطاول إلى المقام الأسنى ، مقام رب العزة ، ليجابهه بتلك المقولات ، فالله أعلى وأجل من أن تدركه الأبصار ، أو تحده الأوهام والظنون . وغاية ما نتصوره أن يكون الحوار قد جرى من خلال الوحي النفسي ، الذي أحاط بتفاصيله من يعلم السر وأخفى ، فهو – والله أعلم – حوار جرى في نفس إبليس ، حين رفض الأمر بالسجود ، من منطلق اعتقاده بأنه خير من آدم من حيث الأصل ، فهو من نار ، وآدم من طين ، وذلك رداً على ما ثار في نفسه من أن إباءه السجود لا تفسير له إلا الكبر والغطرسة ، وحينئذ جاءه الأمر الإلهي – أيضاً – من طريق الوحي النفسي : {{ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ }} .. وهكذا سار الحوار إلى نهايته ، بكل ما تضمن من حقائق وأقدار عبرت عنها كل رسالات الأنبياء ، من لدن آدم إلى محمد ، عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم السلام .

عقلانية منعشة نتعطش إليها. عموماً، عودة إلى محور حديثنا.

أبي آدم والتطور
لماذا نتكلم عن الكتاب في سياق التطور بينما المؤلف لا يؤمن بالتطور العام (بينما يؤمن بتطور آدم عليه السلام من فصيلة سابقة إصطفاءُ الهيا)؟

الشاهد هنا هو أنه بعد تنقية قصة الخلق القرآنية من الإسرائيليات وما يعلق بها من الإفتراضات البشرية، فإنه يمكن تصور قصة الخلق وهي تمتد ملايين السنين وتأخذ في الحسبان ما قدمته العلوم البشرية لنا إلى الآن. ذلك كان هو هدف الدكتور عبدالصبور شاهين، وتلك هي القيمة الرائعة التي قدمها للفكر الإسلامي وتلقى بسببها الكثير من الأذى رحمه الله.

وهدفي هنا هو ذات هدف الدكتور، وهو الوصول إلى توفيق للنصوص الصحيحة والعلوم الصحيحة ، وهي ضرورة لكل من يؤمن أن الإسلام دين عقلاني منطقي أنزله خالق الكون. فكما ورد في السلسلة من قبل، نقاط التعارض الظاهري بين التطور وبين الإسلام هي قصة خلق البشر، فقط، وخلق البشر من تراب. تصور الدكتور عبدالصبور يقربنا شيئاً فشيئاً من هذا التوفيق.

لكن دعني أطلب منك أن تتخيل أن كل الحياة الأرضية مخلوقة من تراب. أي أن كل الحياة على الأرض بكل فصائلها وأنواعها نشأت من أصل واحد خلق من تراب الأرض، وأنها تطورت عن بعضها، بما فيها البشر. وأن آدم عليه السلام متصل مباشرة بما قبله من الحياة، كما تشهد بذلك كل خلايا جسمه، والحمض النووي الذي فيها، وذريته من بعده. ماذا الآن؟

هل هناك في النصوص ما يمنع أن تكون شجرة الحياة كلها خلقت من تراب وماء ومادة ومركبات الأرض الغير حية؟

ليس ذلك فحسب، بل إذا تأملت في القرآن وعرضت عليه هذا المفهوم، فإنك ستجد دلالات تشير إلى هذا المفهوم ولايمكن فهمها بأي طريقة أخرى، كقوله تعالى “منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى”. فأصلنا وأصل خلقنا متصل إلى الأرض دون أدنى شك. بل إن طريقة الخلق هذه هي مما يحتج الله تعالى به على من يكابر من الناس “مالكم لاترجون لله وقارا‏ وقد خلقكم أطوارا‏”.

تاريخ هذه الحياة يسرده بإختصار الدكتور خالص جلبي:

وإذا كان عمر الكتابة خمسة آلاف سنة، وبدايات تاريخ الانسان غير المكتوبة بدأت منذ حوالي (3.5) ثلاثة ونصف مليون سنة فكم يا ترى عمر الحياة وكيف بدأت؟ يعكف علماء الحياة اليوم على تقصي التاريخ الطبيعي، فإذا كان للإنسان تاريخ (إنساني) فإن للطبيعة تاريخها الخاص، والمعلومات الأولى التي شق العلم الطريق إليها أن بدايات الحياة تمتد إلى حوالي 3.8 مليار سنة، ولعلها بدأت بالخلايا الوحيدة التي لا تحتاج الأكسجين، ثم قفزت الحياة إلى مرحلة الخلايا الوحيدة التي تستخدم الأكسجين، قبل أن تظهر عديدات الخلايا التي تنتهي عندنا، حيث يمثل الانسان قمة الخليقة، ويمثل الدماغ البشري قمة القمة لتجلي الخلق العجيب، وأما عمر أمنا الأرض فيصل إلى حوالي 4.6 مليار سنة، وإذا قارنا بين بدء الحياة قبل 3.8 مليار سنة وعمر الانسان وهو يدب على الأرض بـ 3.5 مليون سنة، وإذا عرفنا أن المليار هو ألف مليون، كان معنى هذا أن كتاب تاريخ الخلق يتشكل من مجلد ضخم يبلغ ألف صفحة، تنفرد فيه الصفحة الأخيرة برواية الخلق الانساني، كما أن الملايين الثلاثة والنصف من السنوات هي تلك الفترة غير المذكورة من الحياة الإنسانية غير المكتوبة، لأنه لا ذكر بدون كتابة، والكتابة لم تتشكل إلا منذ فترة قصيرة هي خمسة آلاف سنة فقط، أو على حد تعبير القرآن

كما أورد هنا كلام الدكتور خالص الذي اقتبسته في تدوينة سابقة:

“عندما كتب المؤرخون عن تاريخ الإنسان على الأرض كانت الرؤية التقليدية أنه هبط من جنة عدن إلى أرض الشقاء. وكلمة (اهبطوا) أوحت إلى البعض أنه (أنزل) من كوكب آخر. وأنه عجن دفعة واحدة. وأن لا علاقة له ببقية الكائنات.[...] وما يقوله العلم ان آدم عاش في أفريقيا وأنه لم يكن شكلاً واحداً بل زاد عن عشرة أشكال. وأنه كان من طين لازب من الأرض. وأنه وبقية الكائنات تتصل بشجرة الخليقة فلم يهبط آدم من السماء بل نبت من الأرض والله أنبتكم نباتا.[...] وكان (ابن خلدون) و(ابن مسكويه) من أوائل من أشار إلى اتصال كل أفق من المخلوقات بالأفق الذي بعده كما بين الحلزون والنخيل وأن هناك نوعا من التحول (العجيب) من آخر أفق من الكائنات إلى أول الأفق الذي بعده. ومع أن (تشارلز دارون) طرح منذ عام 1859 كتابه عن (أصل المخلوقات) فنحن ما زلنا في الشرق لا نتحدث في هذا الموضوع خوفا من العوام. كما حصل عام 1854م في زمن الشريف (عبد المطلب) في مكة حينما جاءه أمر من الوالي العثماني بأن السلطان تحت ضغط بريطانيا يريد إنهاء بيع الرقيق في الأسواق. (فلما استدعى الوالي دلالي الأرقاء وأبلغهم بالخبر هاج الناس وتنادوا بالجهاد.. وأنه مخالف للشرع واشتبكوا مع الحامية التركية ووقع العديد من القتلى) على ما ذكره الوردي في موسوعته عن تاريخ العراق الحديث.”

الآن أعتقد أنه أصبحت لدينا نواة لمفهوم لتطور البشر متوافق بشكل عام مع قصة خلق البشر في القرآن. هذه النواة تواجه عدداً من التحديات التي سنتطرق لبعضها في الموضوع القادم بإذن الله، لكن نستطيع إعتبارها بداية ومكان نستطيع بداية النقاش منه. الله الموفق والمستعان.